فهرس الكتاب

الصفحة 16728 من 27345

إن الناس تختلف طبائعهم وسماتهم، فبعضهم -على سبيل المثال- حاد وسريع الغضب، وقد يقول كلامًا لا يعبر عن حقيقة ما في نفسه، وحين يغضب ويغلظ عليك الكلام فكأن الأرض لن تحملك بعد ذلك، بينما قلبه سليم تجاهك.

أذكر أستاذًا -لا أدري ما أخباره غفر الله لنا وله وجزاه عنا خيرًا-كان شديد الغضب، حين يغضب عليك تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتتخيل أنه يهم بالبطش بك الآن ، وفي نهاية المحاضرة تخرج معه فتجده مبتسمًا طليق الوجه، فلم نعد نقلق حين عرفنا طبيعته.

ومن الناس من يكون على العكس من ذلك، فمنهم ما في نفسه أشد مما قد يبديه لك.

ومن ذلك أيضًا ظروف الزمان والمكان، فقد يقول المرء كلامًا في مكان معين، لملابسات ودوافع معينة - بغض النظر عن مدى عذره في ذلك- فلا يصبح هذا الكلام معبرًا عن رأيه الحقيقي.

ومن ذلك حديث الشخص عن موضوع معين وحماسه له -كالقراءة مثلًا- فقد يفهم بعض الناس من ذلك أنه يقلل من حضور مجالس العلم، وحين يتحدث آخر عن الاعتناء بالبارزين والموهوبين فقد يفهم سامع أنه يهمل دعوة آحاد الناس، وهكذا حتى أصبح كل متحدث بحاجة لأن يختم حديثه بقيود عديدة، أنه لايلزم من كلامه كذا وكذا، ولايقصد كذا وكذا.

السبب الخامس: الحرص تنزيل الكلام على معين

حين يتحدث متحدث عن قضية من القضايا، ويأتي في ثنايا حديثه أن بعض الكتاب أو بعض الدعاة يقول كذا أو يقع في هذا الخطأ، فسوف يتساءل الناس من يقصد؟ أهو يقصد فلانًا أم فلانًا؟

وربما لم يكن في ذهن المتحدث شخص بعينه، إنما هو يتحدث عن ظاهرة من الظواهر.

السبب السادس: القول باللازم

حين أقول إن المعلمين في المدارس هم البوابة للمجتمع، وهم الذين يصنعون الجيل إلى غير ذلك. قد يأتي شخص ويقول يلزم من كلامك أن العلماء ليس لهم قيمة ، يلزم من كلامك أن الخطباء ليس لهم قيمة، أن القضاة ليس لهم قيمة…وهكذا.

ومن المقرر عند أهل العلم في التعامل مع اللازم أن لازم الكتاب والسنة حق، أما في كلام البشر فله ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يذكر له اللازم فليتزمه. وذلك بأن تقول لي يلزم من كلامك كذا وكذا، فأقول نعم وأنا أعتقد ذلك.

الحالة الثانية: أن يذكر له اللازم فلا يلتزمه. وذلك بأن تقول إن كلامك يلزم منه كذا وكذا، فأقول لا يلزم منه هذا.

والأمر في الحالتين واضح لا إشكال فيه.

الحالة الثالثة: وهي موضع النقاش: ألا يثبته الشخص أو ينفيه، فحينها لاينسب له؛ لأن الإنسان بشر يغيب عنه اللازم ويعتريه الذهول والغفلة والنسيان.

وليس هذا مجال تقرير هذه المسألة الأصولية؛ إنما المقصود منها التوسع في إلزام الناس بما لم يقولوه غير صحيح.

السبب السابع: عدم إدراك أطراف الموضوع

حين يقرأ أحد القراء جزءًا مما قاله أحد الكتاب، فقد يفهم خلاف ماقصده، لكن لو عرف أطراف الموضوع فسيفهمه فهمًا آخر.

دعونا نضرب مثالًا قريبًا: في المحاضرة هذه لو أن إنسانًا لم يحضر معنا الجزء الأول، فسيقول أنت الآن تشنّ حملة على من يسيء الفهم، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقعوا في خطأ في الفهم وهذا يلزم منه أنك تنتقص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو أدرك أطراف الموضوع كله مثلًا لعلم أنني تحدثت عن هذه القضية وأنه لو كان لازم كلامي هذا فأنا على الأقل لا ألتزم به.

السبب الثامن: الربط المتكلف

وذلك حين يعمد إلى كلام هنا وكلام هناك فيربط بينهما برابط ويخلص إلى نتيجة معينة، غير حقيقية.

ومن ذلك إلزام الشخص بآراء مدرسة فكرية أثنى عليها في موطن، أو استشهد ببعض عباراتها في آخر.

إن هذا المسلك دفع بكثير من الناس إلى ترك الاستشهاد بأقوال بعض المعاصرين حذرًا من أن يوصم بأنه على منهجهم أو خطهم، وهذا مظهر من مظاهر التخلف الفكري الذي نعاني منه.

السبب التاسع: التصحيف وركاكة الفهم

والتصحيف أمر معروف لدى المحدثين، فقد يقرأ الراوي الكلمة قراءةً خاطئةً، أو يسمعها سماعًا خاطئًا ، فحديث احتجر النبي صلى الله عليه وسلم موضعًا في المسجد رواه أحد الرواة احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد.

وحديث:"من صام رمضان واتبعه ستًا من شوال…"تصحف على أحد الرواة فرواه وأتبعه شيئًا من شوال.

ومن التصحيف ما يكون في الفهم، فمثلًا أبو موسى العنزي قال: صلى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم وهو من قبيلة عنزه، وذكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى عنزة ظنًا منه أن الراوي يريد قبيلة عنزة، بينما العنزة العصا.

وأحيانًا يكون السبب ركاكة الفهم، فبعض الناس كما يقال: أقول زيدًا ويسمع عمرًا ويكتب خالدًا.

من وسائل العلاج

إن ذكر الأسباب يختصر علينا خطوات كثيرة في علاج الظاهرة، لذا سنشير هنا إشارات عاجلة وموجزة لبعض خطوات العلاج:

أولا: حسن الظن بالمسلمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت