تحرير البداية ضرورة إن كان ضرورة بالنسبة لأي عامل يريد أن يأتي عمله متقنًا وكاملًا فهو بالنسبة إلينا نحن المسلمين العاملين أشد ضرورة وأعظم وجوبًا فارق جوهري كما قلنا بيننا وبين الآخرين، غيرنا يأتيك فيحدثك عن مناهج العمل يحدثك عن البؤرة الثورية ويحدثك عن الطليعة القائدة، ويحدثك عن النضال ويحدثك عن الصراع، ويحدثك عن العنف الثوري لَكِنْ فَكِّرْ في كل ما يعرض عليك من مناهج وآراء ومذاهب ونظريات سواء في النظرية أو في التطبيق، سواء في الاستراتيجية أو في التكتيك فسوف تجد أن هذا المتحدث يسقط عمدًا العامل الأهم والعامل الأول في كل تحرك إنساني ألا وهو هذا الإنسان.
ضع بين يدي القذر أنظف المناهج فهو كفيل بأن يوسخها.
ضع بين يدي الجائر أعدل النظم فهو كفيل بأن يخرجها من العدل إلى الجور.
العامل الحاسم العنصر الجوهري في كل تحرك بشري هو هذا الإنسان، حينما نسقط الإنسان من حسابنا نسمح للغش أن يدخل إلى التحرك من أوسع الأبواب، خذ حركات اليوم خذ قطاعًا واحدًا خذ مذهبًا واحدًا خذ منهجًا واحدًا هو المنهج الماركسي لا نطلب منه أن يلتفت إلى النفس ليهذبها ويرقيها فليس من باب المذمة والهجاء أن أقول بكل صدق وبكل نزاهة وأمانة علميتين. إن الماركسية بكل ما تفرع عنها من مذاهب ونظريات ومناهج لا يمكن أن تزهو وتزدهر من خلال في الفوضى الخلقية والانفلات الإنساني المطلق من كل قيد ومن كل حد ليس هذا من باب المذمة لكنه من باب تفرد الواقع هذا غير مهم عندنا أن نعلم أن الماركسية تعتمد في التحرك الإنساني تغيير الشرط الاقتصادي في الحياة الاجتماعية وتعتبر دون لبس ومن غير لجاجة من فقهائها ومن مُشَرِّعيها ومن مفلسفيها ومنظريها تعتمد على هذا الشرط لا غير، وترى أن كل تغيير في واقع الحياة الاجتماعية وفي واقع النفس البشرية خاضع وتابع للتغير في الشرط الاقتصادي على اعتبار أن المستويات العليا من الحياة الإنسانية؛ المستويات الفكرية والخلقية والتصورات الدينية والأدبية والفنية إنما هي انعكاس لهذا الشرط الاقتصادي لا غير.
حالة محدودة، منهج يضع نفسه بين حدين حاسمين، يقتضي أن لا يختلف أربابه على شيء ما، ولكن انظر الآن دعك من كل التفاصيل انظر إلى التطبيق ضع اللوحة أمامك تجد أن الماركسيين في روسيا يختلفون عنهم في الصين، ومع كل مظاهر الأيديولوجية التي يتذرع بها كلا المعسكرين تجد أن ثمة خلافًا في وسيلة الأداء الماركسية..
في روسيا تقول: إن عماد الثورة عماد الحركة بعد اعتماد الشرط الاقتصادي أساسًا في كل تغيير هم العمال الكادحون أي البروليتاريا الذين لا يجدون في الحياة الاجتماعية ما يبيعونه إلا قوة عملهم فقط والذين أوصلهم الضغط الرأسمالي إلى الحد الذي وضعهم على حافة الكفاف أي أن مذخور قوة العمل في العامل الفرد يساوي فقط ما يحفظ عليه القوة لمواصلة العمل في اليوم الثاني، هكذا دون زيادة.
لكنه في الصين وبعد التجربة في بلاد مترامية الأطراف ذات حضارة عريقة وحياة مستقرة ضاربة الجذور في أعماق التربة وحياة رعوية وزراعية وتخلف صناعي واضح فتشوا عن قاعدة ينسجون على منوالها كما نسجت روسيا فأعوزتهم الوسائل، في الصين لاصناعات متضخمة ولا بروليتاريا وإذًا فالاعتماد كان على الفلاحين ومنذ ماو في مسيرة الألف ميل إلى اليوم والصراع محتدم بين المعسكرين الماركسيين في الدولتين الأكبر والأقوى في النظام الشيوعي العالمي يدور حول هذه النقطة التافهة من الذي يقود التغيير العمال أم الفلاحون.
الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة هذا كلام له خبيء لو لم تكن ثمة نفوس متباينة، لا تتفق على مبادئ الحركة، ولا تحرر نقاط الانطلاق، ما وصل الأمر بها إلى هذا الحد. أنقل المسألة أيضًا إلى أوربا بالذات خذ روسيا وخذ يوغسلافيا دولتان ماركسيتان ولكن بينهما من العداء مالا يقع تحت وصف، وقال كل منهما في الأخرى ما لم يقله مالك في الخمر، ما سبب الصراع؟ ما سبب الخلاف؟ تعبير حاد في سياق الحركة، خلاف على مركز الدولة ضمن المجتمع الشيوعي، في روسيا يذهب النظام إلى تدعيم الدولة باعتبار الدولة قائدة عملية التغيير التي توصل إلى الشيوعية في يوغسلافيا؛ يقولون: إن ماركس ومعه إنجلز وبعدهما لينين قالوا وقرروا بأن الدولة في النظام الماركسي يجب أن تتلاشى، لأن الدولة في أصل وضعها وفي معناها الدستوري أداة قهر؛ فهي إذًا أداة إرهاب، تحول دون الحرية، وتحول دون الانطلاق، وبالتالي تحول دون التغيير ومن هنا نشأت في يوغسلافيا فكرة التسيير الذاتي أي أن العمال في تعاونياتهم، وفي مصانعهم هم الذين يشرفون على إدارة الآلة الاقتصادية، وأن الفلاحين في نقاباتهم وفي مزارعهم هم الذين يشرفون على القطاع الزراعي أي أنهم رفضوا أن يتبنوا مركزية التخطيط، وتركوا للتخطيط أن ينطلق من القواعد؛ في روسيا، الأمر على النقيض من ذلك، واحتدام الصراع على هذا الأساس.