وفي صحيح الجامع الصغير من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له, وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي"رواه أحمد, ح/4868."
لقد كان الجهاد في الفتوحات إبان الخلافة الإسلامية الراشدة أكبر مصدر لواردات بيت مال المسلمين مما أمكن من توزيع العطاءات على كل مسلم.
3-كفالة المجتمع:
لا يخلو مجتمع من العاجزين عن العمل والجهاد والكسب من كدّ اليد والاعتماد على النفس من أمثال الأرامل واليتامى والشيوخ وأصحاب العاهات المعوّقة, وكذلك الذين لا يكفيهم دخلهم من العمل أو القادرين الذين لم يتيسر حصولهم على عمل, وهؤلاء جميعًا لم يتركهم الإسلام هملًا وعرضة لآفة الفقر والحرمان تسحقهم وتلجئهم مكرهين إلى ذل السؤال والتكفف, بل عمل كفالتهم من قِبَلِ المجتمع المسلم الذي ينتمون إليه ويُحسَبون عليه.
ويمكن تقسيم كفالة المجتمع المسلم للفقراء المحتاجين إلى قسمين:
* كفالة الأرحام والأقارب.
* كفالة الآخرين.
1.كفالة الأرحام والأقارب:
قرن الله - تعالى - حق القربى في الإحسان بحقه - سبحانه وتعالى -: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) النساء:36
وأمر الله - تعالى - بإعطائهم ما يحتاجون فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) النحل: 90.
وجعل لهم حقًا فقال - تعالى -: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) الإسراء: 26 . وقال سبحانه: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) الروم: 38.
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه"رواه البخاري, ح/5673.
بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم صلة الأرحام ومواساتهم سببًا في سعة الرزق, ففي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أحب أن يُبسط له في رزقه, ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه"رواه البخاري, ح/1925.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله, ومن قطعني قطعه الله"رواه مسلم, ح/4635.
ومن أهم مظاهر صلة الأرحام كفالتهم وإعانتهم ماديًا وعدم الالتزام بذلك بعد قطيعة لهم , ولنقرأ ما يقوله ابن القيم كما نقل عنه د. يوسف القرضاوي:"وأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى جوعًا وعطشًا ويتأذى غاية التأذي بالحرّ والبرد, ولا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف يظله ؟! انظر كتاب: مشكلة الفقر, للدكتور يوسف القرضاوي, ص 51, 52."
يتبين مما سبق أن الأقارب والأرحام ملزمون بكفالة قريبهم الفقير وإعانته من أموالهم حقًا وصلة.
2-كفالة الآخرين:
هذه الكفالة العامة من قِبَلِ أفراد المجتمع للفقراء والمحتاجين تتم عن طريق:
أ. زكاة المال:
وهي ركن من أركان الإسلام يمثل الحد الأدنى المحدد الثابت المفروض في أموال أغنياء المجتمع ليرد على فقرائهم وبقية الأصناف الثمانية التي ذكرتها الآية (60) من سورة التوبة التي بينت في آخرها أنها فرض واجب. قال - تعالى -: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة:60. وقد جاء في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذًا على اليمن وبعد أن أمره بدعوتهم إلى التوحيد ثم الصلاة قال له:"فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"رواه البخاري, ح/1308.
تعد الزكاة من أهم الموارد التي تستحق بشروطها الأقارب والأرحام في قول الله - تعالى - (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) النساء: 36. لتؤكد حق الجار في الإحسان إليه.
كما ورد في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر وعائشة - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه"رواه البخاري, ح/5555.
ب. الكفارات: العقوبات الدنيوية المكفّرة لبعض الذنوب مثل:
كفارة اليمن: قال - تعالى -: (…فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ…) المائدة: 89.