إن هناك أساسًا اختلاف الوجهة فالحضارة الغربية تستهدف السيطرة على العالم وإخضاعه لسلطانها مع اتجاه استهلاكي يستهدف المنافسة والربح ويقصر وجهته نحو الطبقة الثرية فلا يقدم الضرورات للناس جميعًا ومن هنا فإن هذه التكنولوجيا قد تطورت في مجالات محدودة تطورًا هائلا بينما تراجعت في مجالات أخرى تراجعًا شديدًا وكان هذا الاتجاه علامة على تصادمها مع الطبيعة والبيئة والحاجات الفطرية للإنسان (وهو النمط الغربي المفروض على شعوب العالم) . وبهذا فهي ليست حضارة الإنسان كله ولكنها حضارة الأغنياء والرأسمالية.
ولما كان هذا التوجه متعارضًا مع طبيعة الأمم والشعوب بصفة عامة فقد وقع الغرب في مشاكل طاحنة كشفت عن إفلاسه وفشله في تحقيق أي قدر من الاستقرار للوطن.
ومن هنا كان ذلك الاضطراب الذي يقاسيه العالم الإسلامي نتيجة الخضوع لهذا الاتجاه، وفشل كل الأنماط التي استوردها في سبيل تنميته بما فيها تلك التي تشكل في نظرهم مفتاح التقدم.
نقطة الافتراق هي العلاقة مع الله تارك وتعالى وهي نفسها نقطة الالتقاء مع كل عوالم الفطرة والعلم والأمن وطمأنينة النفس وسلامة المجتمعات وحمايتها من الوقوع تحت طائلة قانون الانهيار والسقوط.
فالحقيقة الغائبة عن الحضارة الغربية تتركز في أن الإنسان لن يجد منطلقه الحقيقي إلا إذا آمن وأيقن بأن الله تبارك وتعالى هو المرجع والمصدر وهو منطلق كل حركة وأنه إليه ترجع الأمور.
أما في الغرب فإن هذه الحقيقة تبدو باهتة بل هم يقفون منها موقف الاستهانة، ويتكئون على الفكر المادي ويقيمون منه دينًا ويؤكدون في تحاليلهم أنهم يمتلكون الحقيقة في حين أنهم يعرفون إن كل كائن حي يحمل في داخله بذور فنائه. ومن هنا فإنه لا يمكن للكائن البشري الزائل أن ينتج حقائق أزلية.
تلك هي الصخرة الكبرى التي ترتطم بها هذه الحاضرة المادية الوثنية: غياب البعد الإلهي ثم البعد الأخلاقي.
لقد صنع الإنسان أوثان هذا العصر: وهي العلم والتكنولوجيا والفلسفة والفن ثم عبدها، إن الغرب يعتمد في بناء الحضارة على التناقض والنفي وعلى التطور المطلق، وعلى النسبية وكلها قيم سلبية بينما يعتمد الإسلام في بناء حضارته على الإيجاب (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) فالله تبارك وتعالى هو الأزل والفرد المطلق والكمال وهي الصفات الإيجابية الحقة.
فالإسلام وحده هو الذي ينطلق من مبدأ الإيجاب والإثبات ويؤكد أن تلك المبادئ كلها مجتمعة في الله تبارك وتعالى.
ولأن الإسلام كامل فقد صهر كل الأديان المنزلة:
(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) صدق الله العليم.
للإسلام موقف حاسم مع حضارة الغرب:
ومن هنا كان لابد للإسلام من موقف من حضارة الغرب:
موقف حاسم وواضح، يقوم على الفطرة وعلى تكامل جانبي الإنسان الروحي والمادي دون إعلاء لأحدهما أو حجب للآخر، وفي ظل هذا الانحراف الخطير الذي وصل إليه الغرب بعد أربعة قرون من التحول نحو المادية نجد الإسلام يشرق بوجهه من جديد ليقدم منهجه الأصيل الجامع في مواجهة كل الأزمات والأخطاء والانحرافات ومن أجل أن يعيد البشرية مرة أخرى إلى منهج الله.
وأبرز ما يطرحه هو محاولة فهم الحياة والكون وتدبيرها خارج نطاق التوجيه الرباني هو عملية صعبة، فاشلة، منهارة لأنها تتجاهل كثيرًا من الحقائق التي قدمها الحق تبارك وتعالى إلى البشرية عن طريق الدين الحق، وفي مقدمتها الإيمان بالغيب وذلك التفسير الكريم لمسألة ما وراء المادة (الميتافيزيقا) حتى يريح نفسه من الإغراق في تفسير الأساطير التي قدمتها الفلسفات القديمة، وحتى يوجه جهده إلى العمران والسعي في الأرض، وهي أمور يعجز العقل وحده عن الوصول إلى كنهها، وهنا تبدو حكمة الدين في حماية حركة الحياة والإنسان بالحدود والضوابط عن الانهيار والغربة والغشيان والتأزم الذي يقاسيه الغرب اليوم.
فالإسلام اليوم وفي مواجهة عشرات من التجاوزات التي أحدثها انحراف الغرب عن الفطرة، قادر على تقديم الوجهة الصحيحة والأصيلة للبشرية فالإسلام اليوم هو ملاذ البشرية بعد أن أخفقت جميع الفلسفات المادية في جميع القطاعات الاجتماعية والسياسية في تهيئة الجو الصالح للحياة الإنسانية بما يؤكد أن الإسلام هو الملاذ الوحيد للبشرية في كل زمان ومكان وفي كل عصر - على حد تعبير جارودي - ولا أدل على ذلك من هذه المجتمعات المادية التي جربت كل أنواع التقدم العلمي والحضاري وعاشت قمة التجارب العلمية والعملية حيث لا تجد اليوم ما تحتاج إليه من أمن نفسي وشعور بالسلام، إن الإسلام أنقذ العالم من الانحطاط العام والفوضى وأن القرآن الكريم أهاد إلى ملايين البشر وفي بعدهم الإنساني روحًا جماعية جديدة.
وتجابه العالم اليوم قوتان عظيمتان ترميان إلى اقتسام العالم، وهما تعلنان عن عقيدتين هما في الظاهر مختلفتان لكنهما في الحقيقة تعتمدان الأنموذج الكياني نفسه والنمط المترف وتسيران في طريق مسدود وتؤديان إلى الإفلاس البشري.