فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 27345

وفي غياب الغاية الإلهية والإنسانية يمكن للإسلام أن يقدم إلى العالم ما يتطلبه وهو معنى الحياة، فالإسلام دين التوحيد ففي حين أن عالمنا: عالم المنافسة والنمو الكمي والعنف تبدو فيه الأحداث حصيلة القوى العمياء المتصارعة يعلمنا القرآن النظر إلى الكون والبشر على أنهما كل واحد ويعلمنا أن الله يرى في كل شيء وفي كل حدث آية من آياته رمزًا للحقيقة الأسمى، وهي حقيقة النظام الواحد للطبيعة والمجتمع ولأنفسنا فكل شيء في العالم خاضع لإرادة الله تبارك وتعالى، وفي نفس الوقت فقد كرم الله تبارك وتعالى الإنسان بأن جعله مسئولا لا مسئولية كاملة عن مصيره إذ في مقدوره أن يعصي شريعة الله وأن يستسلم لها.

ويعني هذا كله: أن المستقبل للإسلام أما إفلاس الحضارة الغربية (حضارة الانتحار) التي تقود العالم إلى الهاوية: تلك التي تقوم على مفهوم التقدم السريع حتى ولو كان على حساب العلاقات الإنسانية (بين الإنسان وأخيه الإنسان والعلاقة بين الإنسان وربه) .

إن مفهوم الغرب للعلم يقتصر على وضع القوانين للظواهر ولكن لا يسأل عن معناها وعن علاقتها بالخالق وهي حضارة تعاني من أزمة المعنى وتحتضر ليس بسبب غياب الوسائل ولكن بسبب غياب الغايات حتى أنه أصبحت كإنسان له جسم عملاق ورأس قزم، إن البعد الإسلامي هو إعطاء معنى للحياة وقد أتى الإسلام بمفهوم الأمة المتسامية (كنت خير أمة أخرجت للناس) .

لقد قم الإسلام مفهومًا يجمع بين الدين والدنيا وهذا هو سر تفوق الإسلام.

إن الأمة الإسلامية لم تقم على وحدة الدم - كالمجتمعات القبلية - أو وحدة الأرض كالمجتمعات الزراعية أو وحدة السوق كالمدن الرومانية، وإنما قامت على وحدة العقيدة والمستقبل.

فالإسلام لا يفصل الدين عن الاقتصاد والسياسة فالملكية في الإسلام ليست محدودة كما في القانون الروماني وليست رأسمالية من حيث حق الاستعمال وإساءة الاستعمال؛ ذلك أن الله هو المالك الأوحد، وإدارة أموال الأرض إنما هي وظيفة اجتماعية واستعمال الملكية مقيد دائمًا بأهداف أسمى من الفرد ومصلحته الخاصة.

والإسلام ينفي ما يسمى بنظرية الحق الإلهي التي تجعل من الأمير وكيلا عن الله في الأرض، كما ينفي الإسلام الديمقراطية القائمة على التعويض والتنازل عن السلطة إلى منتخب أو حزب.

من هنا ولهذا كله بات واضحًا أنه (أولا) لا يمكن أن تنصهر الأمة الإسلامية في الحضارة الغربية مهما اشتدت الضغوط السياسية أو الاقتصاد عليها ذلك لأنه لا يوجد أساسًا عناصر مشتركة تمكن من الانصهار ولكن هناك"ميزة"الإسلام الخالدة وهي القدرة على الانتفاع بكل تراث البشرية القديم والجديد والاستفادة منه باقتباس الصالح منه، واقتباس التنظيمات في الأساس دون النظم وإن كل ما يأخذه المسلمون من الحضارات وهو بمثابة"مواد خام"يشكلها المسلمون في دائرة فكرهم ومجتمعهم، مع الاعتراف الواضح الصريح بأن للمسلمين حضارتهم المستمدة من عقيدتهم وفكرهم ومنهجهم وتركيبهم الاجتماعي الخالص.

ومن هنا فإن مفهوم الإسلام للحضارة يرفض كل محاولات الاحتواء سواء التاريخي المتوهم أو الواقعي للحضارة ونهايتها أو أن الإسلام لم يكن إلا مرحلة، ذلك بأن حضارة الإسلام منذ بزغ نوره وهي حضارة متميزة قدمت للبشرية مفهومًا جديدًا مخالفًا لكل ما سبقها من حضارات وإن محاولة الغرب إنكار الدور الأصيل والرائد الذي قام به الإسلام في بناء الحضارة وتقديم المنهج العلمي التجريبي ورسم الإخاء البشري (كلكم لآدم وآدم من تراب) بعيدًا الاستعلاء الجنسي أو العصبة العرقية. هذه المحاولة لا قيمة لها لأن حقائق التاريخ تؤكدها في كل لحظة.

(2) كذلك فإن الإسلام يرفض تقسيم الغرب للعصور التاريخية المعاصرة لتاريخ الإسلام فالعصور الوسطى مثلا هي عصور الظلام في رأيهم ما دامت أوربا كانت فيها في الظلام متجاهلين أضواء الحضارة الإسلامية على العالم من حدود الصين إلى الأندلس خلال ألف عام كاملة، كذلك فالإسلام يرفض مقولة إن الفكر الغربي هو الفكر العالمي الذي كون العقل الحديث فإن الفكر المادي الوثني قد تصدع وانكشف فساد وجهه بعد أن سقط في متاهات، ووقع في تجاوزات مصدرها عدم الإقرار بمبدأ (ربانية الوجهة) والبعد الإلهي والبعد الأخلاقي للأمم والحضارات.

كذلك فقد رفض الإسلام تقسيم الغرب لشعوب العالم إلى فئات وعروق ودماء بعضها نقية زرقاء وبعضها ملوثة سوداء، أو أجناس عليا وأجناس دنيا (وفي مقدمة ذلك مسألة الزنوج وقضية النازية والفاشية) فقد أثبت البحث العلمي فساد هذه للنظريات التي وضعها مستشرقون مغرضون يهدفون إلى تبرير الاستعمار والسيطرة الأجنبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت