فهرس الكتاب

الصفحة 16878 من 27345

ولهذا كان مِن أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة , وترك قتال الأئمة وترك القتال في الفتنة ، وأما أهل الأهواء كالمعتزلة , فيروْن القتالَ للأئمةِ مِن أصولِ دينهم , ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة (التوحيد) الذي هو سلب الصفات , و (العدل) الذي هو التكذيب بالقدر , و (المنزلة بين المنزلتين) , و (إنفاذ الوعيد) , و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الذي منه قتال الأئمة.

-وقد تكلمتُ على قتال الأئمة في غير هذا الموضع - وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات , أو تزاحمت , فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت , والمصالح والمفاسد , وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهى , وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحةٍ ودفع مفسدةٍ , فينظر في المعارض له ؛ فإن كان الذي يفوت مِن المصالح أو يحصل مِن المفاسد أكثر ؛ لم يكن مأمورًا به بل يكون محرَّمًا , إذا كانت مفسدته أكثر مِن مصلحته ؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة , فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها , وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر , وقلَّ أن تعوز النصوص مَن يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام .

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروفٍ ومنكرٍ بحيث لا يفرقون بينهما , بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا , لم يجز أن يَأمروا بمعروفٍ ولا أن يَنهوا عن منكرٍ , بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أَمر به , وإن استلزم ما هو دونه مِن المنكر , ولم يَنه عن منكرٍ يستلزم تفويتَ معروفٍ أعظمَ منه , بل يكون النهي حينئذٍ مِن باب الصدِّ عن سبيل الله , والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله , وزوال فعل الحسنات . وإن كان المنكر أغلب ؛ نهى عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه مِن المعروف , ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكرٍ وسعيًا في معصية الله ورسوله , وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان ؛ لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.

فتارةً يصلح الأمر , وتارةً يصلح النهي , وتارةً لا يصلح لا أمرٌ ولا نهي ؛ حيث كان المعروف والمنكر متلازمين , وذلك في الأمور المعينة الواقعة .

وأما مِن جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقًا , وينهى عن المنكر مطلقًا , وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة , يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها , ويحمد محمودها , ويذم مذمومها , بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه , أو حصول منكر فوقه , ولا يتضمن النهى عن المنكر حصول أنكر منه , أو فوات معروف أرجح منه .

وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن ؛ حتى يتبين له الحق , فلا يقدم على الطاعة إلا بعلمٍ ونيةٍ , وإذا تركها كان عاصيًا ؛ فترك الأمر الواجب معصية , وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية , وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله .

ومِن هذا الباب إقرار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى وأمثاله مِن أئمة النفاق والفجور , لما لهم مِن أعوانٍ , فإزالةُ منكره بنوعٍ مِن عقابه مستلزمةٌ إزالة معروفٍ أكثر مِن ذلك , بغضب قومه , وحميتهم , وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه , ولهذا لما خاطب النَّاس في قصة الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه , وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه , حمى له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه.

وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف , وبغضه للمنكر وإرادته لهذا وكراهته لهذا موافقة لحب الله , وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيين , وأن يكون فعله للمحبوب , ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته , فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها , وقد قال { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [سورة التغابن: 16] فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته ؛ فينبغي أن تكون كاملةً جازمةً , لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان .

وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته , ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة , وفعل العبد معها بحسب قدرته , فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل , كما قد بيناه في غير هذا الموضع . ( 11) أهـ

نصيحة الإخوان

ويجب أن يكون الأخ معوانا لأخيه على الخير , مُذَكِّرًا له على الدَّوام , وهذا من أوجب حقوق الإخوة , ومن أسباب استمرار المحبة .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ , قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ , وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ , وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ , وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ (12 ) , وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ , وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ . ( 13)

فيجب على العبد أن يبلغ في النصح لإخوانه ولمن يحب , فإن من علامة الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت