فهرس الكتاب

الصفحة 16879 من 27345

عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ . (14 )

قال الحافظ بن رجب (15 ) : في قوله تعالى: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ } [سورة النساء: 32]

فقد فسر ذلك بالحسد , وهو تمني الرجل نفس ما أعطي أخوه من أهل ومال ؛ وأن ينتقل ذلك إليه , وفسر بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا , كتمني النساء أن يكن رجالا , أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل الدينية كالجهاد , والدنيوية كالميراث , والعقل , والشهادة , ونحو ذلك , وقيل إن الآية تشمل ذلك كله , ومع هذا كله فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية , ولهذا أمر أن ينظر في الدين إلى من هو فوقه , وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته كما قال تعالى: { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) } [سورة المطففين: 26]

ولا يكره أن أحدا يشاركه في ذلك , بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه ويحثهم على ذلك , وهو من تمام أداء النصيحة للإخوان , كما قال الفضيل: إن كنت تحب أن يكون الناس مثلك ؛ فما أديت النصيحة لربك , كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك , يشير إلى أن أداء النصيحة لهم أن يحب أن يكونوا فوقه , وهذه منزلة عالية ودرجة رفيعة في النصح , وليس ذلك بواجب , وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله , ومع هذا فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد على إلحاقة , وحزن على تقصير نفسه وتخلفه عن لحاق السابقين ؛ لا حسدًا لهم على ما آتاهم الله ؛ بل منافسةً لهم وغبطةً وحزنًا على النفس بتقصيرها , وتخلفها عن درجات السابقين , وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية , فيستفيد بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها , والنظر إلى نفسه بعين النقص , وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله , كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه , بل يجتهد في صلاحها , وقد قال محمد بن واسع لابنه: أما أبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله .

فمن كان لا يرضى عن نفسه ؛ فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم , بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه , ويحب لنفسه أن يكون خيرًا مما هو عليه , وإن علم المرء أن الله قد خصه على غيره بفضل ؛ فأخبر به لمصلحة دينية , وكان إخباره على سبيل التحدث بالنعم , ويرى نفسه مقصرًا في الشكر ؛ كان جائزًا , فقد قال ابن مسعود: ما أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني .

ولا يمنع هذا أن يحب للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به , فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم , وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلى منه شيء , وكان عتبة الغلام إذا أراد أن يُفْطِر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أعماله: أخرج إليَّ ماءً أو تمرات أفطر عليها , ليكون لك أجر مثل أجري .أهـ

أخي الحبيب: تعلم قبل أن تتكلم أو تعمل , تنجو من الفتن التي أحاطت بأرجاء الأرض وأصبح الموت في طاعة الله أمنية يصعب تداركها إلا من وفقه الله وهداه للصواب .

وأسأل الله لي ولإخواني ولأمتي الهداية والتوفيق .

أبو محمد

( 1) مسلم (1854)

(2 ) ابو نعيم"الحلية" (6/379)

( 3) ابن الجعد"المسند" (1901)

(4 ) أبو نعيم"الحلية" (6/379)

( 5) مسلم (285)

(6 ) حلية الأولياء (2/238)

( 7) رواه مسلم (49) من حديث أبي سعيد

( 8) تذكرة الحفاظ (1/375)

(9 ) أحمد (1-17) أبو داود (4338) إبن ماجة (4005)

( 10) رواه البخاري (7052) مسلم (1843) من حديث ابن مسعود

( 11) "مجموع الفتاوى" (28/126-131)

( 12) أي يقال له: يرحمك الله

( 13) رواه مسلم (2162)

( 14) رواه البخاري (13) مسلم (45)

( 15) جامع العلوم والحكم (309)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت