فهرس الكتاب

الصفحة 16978 من 27345

قطاع كبير من أبناء هذا الوطن لا يهتم، لا بالحكم ولا بالحكومة، ولا يعنيه أيهما يمسك بتلابيب الحكم زيد كان أم عبيد، ينصب اهتمامه على لقمة العيش ولقمة العيش فقط، فغالبيتهم من الفقراء البسطاء، الكادحين وراء لقمة يوم بيوم، ليس للغد أو بعد الغد نصيب فيما تناله أيديهم اليوم. هؤلاء لا يهتمون بصاحب العمل الذي سيكسبون منه قوت يومهم مسلمًا كان أو نصرانيًا أو يهوديًا أو غير ذلك، وهؤلاء هم الذين عايشوا الاحتلال الأجنبي بكل صوره وأشكاله، وعايشوا الحكومات الوطنية المتعددة بكل مساوئها وأطماع القائمين على الحكم فيها. مثل هؤلاء لم ولن يفوضوا أحدًا في الحديث عنهم وباسمهم، ولا يستطيع أحد ليس من بينهم أن يدعي لنفسه الحق في التحدث نيابة عنهم. فكون أن يخرج الدكتور ميلاد حنا متحدثًا ليس عن المسيحيين من أبناء هذا القطاع فقط، بل عن كل مسيحيي مصر قائلًا: إذا وصل"الإخوان المسلمون"إلى الحكم فسيرحل المسيحيون من مصر. دفعنا أولًا للاستفسار عن من ذا الذي خوله الحديث باسم كل أقباط مصر؟ ومن ذا الذي يعطي الحق لأي فرد التحدث عن الآخرين، وماذا لو خرج ثاني أو ثالث يومًا بعد يومٍ يعلن عنهم أو عن غيرهم فعلهم كذا وكذا لو حدث كذا وكذا، وكل فرد يزايد عما أعلنه الآخر؟. وقد جاء فوز"الإخوان المسلمون"نزولًا على إرادة الشارع المصري الذي خرج عن بكرة أبيه لينتخبهم، وفوجئ بالمحاولات الفذة والفجة التي بذلت لمنع الناخبين من التصويت لصالحهم، وحديثه هذا فيه إيذاء لمشاعر المسلمين الذين رأى بعضهم في جماعة"الإخوان المسلمين"حلًا لما نحن فيه جميعًا؟ أليس من حق كل فرد أو جماعة اختيار من يرونه صالحًا لتمثيلهم؟ أيريد أن نلغي اختيار الشعب إرضاء له، وحتى لا تقحط الأرض وتجدب السماء ولا نحرم من البركات التي تحل علينا من وجوده معنا، أيريد أن ننتخب نوابًا على شاكلة من انتخبوا في المجالس السابقة؟ ولماذا لم يعلن رحيله عندما وصل للحكم من هم ليسوا أهلًا له، وعانينا ومازلنا نعاني منهم الأمرين؟ أم في وجود الإخوان ستستتب الأمور وسيلقى المناضلين والرفقاء بأسلحتهم؟ لذا وجب الرحيل لأرض لا يزال فيها نضال. وهل تعني الديمقراطية خضوع الأغلبية لرأي الأقلية؟ وإذا كان نجاح"الإخوان"يعود كما يدعي البعض لتقديمهم للمساعدات المادية من صناديق الزكاة التي يضعون أيديهم عليها، ولاستغلالهم للشعارات الدينية في مخاطبة الجماهير، فلما لم تقم الحكومة بذلك وهي التي تضع يدها ورجلها وكل جوارحها على صناديق الزكاة في جوامع مصر كافة، وهل تقديم المساعدات المادية كان السبب في نجاح"الإخوان"في انتخابات نقابة الأطباء، والأطباء أربأ الناس عن الحاجة للمساعدات المالية؟ وهل استغلالهم لسذاجة وطيبة المواطنين ومخاطبة مشاعرهم بالشعارات الدينية كان السبب في نجاحهم في انتخابات نقابتي المهندسين والمحامين ، ومن بين أبناء هاتين النقابتين من هو أكبر عقلًا وأرجح تفكيرًا من مرشحي الإخوان؟ انظر يا دكتور ميلاد إلى المصلين يوم الجمعة وقد أكتظت بهم المساجد فيفترشون الحصر والسجاجيد وأوراق الجرائد خارجها للصلاة، وانظر إلى رواد الكنائس يوم الأحد، لتحكم من هم في حاجة لبناء دور عبادة جديدة لاستيعابهم، كما أن العبرة ليس بكثرة عدد دور العبادة ولكن العبرة بمن يعمرها ويتردد عليها ويأتمر بما يتعلمه فيها. كما أن بناء مدارس ومؤسسات إنتاجية ومستشفيات يؤمها مسلمون ومسيحيون للعلاج والاستشفاء خير وأنفع من اللعب على وتر أن"الإخوان"لن يسمحوا ببناء كنائس جديدة. ومع ذلك فعلاقة"الإخوان المسلمين"بالأقباط علاقة مميزة لم ترق إليها علاقة أي حزب بهم، فقد قدموا دعمًا لمرشحين أقباط في الانتخابات البرلمانية الجارية، وتقديرًا منهم لبعض الشخصيات القبطية لم يرشح"الأخوان"أحد أمامهم، وهو ما لم يفعله أي حزب آخر، كما كان هناك تنسيق بين الأخوان والأقباط في انتخابات النقابات وانتخابات مجلس الشعب لعامي 1987م وعام 2000م. كما لابد أن نشير إلى أن انتخابات مجلس الشعب الحالية كشفت عن تأييد مسيحي ربما غير مسبوق لمرشحي"الإخوان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت