ولا أعني أن تقوم المرأة الداعية بدعوة الشباب والرجال , وإنما تترك هؤلاء إلى إخوانها الدعاة . فتتجه هي إلى النساء , فتحاول ـ ما استطاعت ـ أن تنزوي بهن عن التجمعات التي يكثر فيها الذكور فتقيم معهن حوارات ومناقشات وصَداقات لتعريفهن بأمور الدين . وأُركز هنا على الصداقات النسائية , والمثل المشهور يقول"الصاحب ساحب"لأن اللقاءات السريعة في التجمعات الثقافية لا تعطي نتائج مرضية , فلا بدّ من جلسات مطولة ولقاءات مركّزة . ويمكن أن تتعاون الأخوات الداعيات على صحبة واحدة ـ مثلًا ـ أو على صحبة مجموعة صغيرة , ومن خلال اللقاءات المتعددة بهن يمكن الوصول إلى الهدف المنشود .
وقدوة المرأة الداعية في هذا الاختلاط الصحابيات الجليلات اللواتي تواجدن في كل مكان تواجد فيه الرجال كالمسجد والهجرة والغزوات . فقد كانت المرأة الصحابية تحضر دروس العلم في المسجد النبوي , وتشارك في الهجرة , وتخوض المعارك ، وتتقاتل مع المشركين وجهًا لوجه , ولم يمنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك , بل ولم يعترهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ خوف لا داعي له عليها جرّاء هذا الاختلاط الشديد بين الصحابية و المشركين . مع أنه كان من المحتمل أن تشتبك الصحابية بالأيدي مع المشركين في حال وقوع السيف من يدها ، و كان من المحتمل أيضًا أن تقع في الأسر و تتعرّض للاغتصاب . و مما يروى عن خولة بنت الأزور (وهي صحابية جليلة) أنها كانت تخترق صفوف الروم في معركة اليرموك وتصل إلى نهاية جيشهم ، ثم تعود إلى أوله ، و فعلت ذلك مرارًا ، حتى أن خالد بن الوليد رضي الله عنه ذهل من جرأتها و شجاعتها . و مع ذلك لم يمنعها و لم يعترهِ خوف عليها كخوف الإسلاميين اليوم على المرأة المسلمة الداعية من اختلاطها بالمجتمع .
والمشكلة تكمن في كون النساء يشكلن نصف المجتمع ، و ترك هذا النصف بدون دعوة يسبب مشكلات جمة ، بدءًا من كون المرأة سلاحًا خطيرًا في حال استغلال أعداء هذا الدين لأنوثتها و جسدها ، و انتهاءً بكون المرأة مربية للأجيال .
وما دام الرجال الدعاة لا يقومون بدعوة النساء كان من الضروري بمكان أن تتكفل النساء الداعيات بدعوتهن .
أما أن يخبىء كل واحد منا زوجته و أخواته و بناته في البيت ثم ننتظر بعد ذلك أن يتغير المجتمع ، فهذا بعيد المنال ، و بعيد عن المفهوم الصحيح لمهمة المسلم والمسلمة في الحياة ، لا سيما في هذا العصر الذي تكالب علينا الأعداء من كل حدب و صوب .
وأنا لا أدري مَن سيقوم بدعوة النساء إذا جلست المرأة الداعية في البيت ؟
ومن الغريب في الأمر أن البعض يقول بأنه يكفي على المرأة الداعية أن تقوم بتربية أولادها على التديّن ، فأقول إن تربية الأولاد هو جزء من العمل الدعوي للمرأة و لا بد أن يرافقه دعوة الناس .
و يرى الشيخ فيصل المولوي في كتيّبه ( دور المرأة في العمل الإسلامي ) أن خروج المرأة المسلمة من البيت للدعوة فرض عليها و ليس مندوبًا و لا مستحبًا أو غير ذلك ، فيقول:"إن الإسلام اليوم معرّض للخطر ، و إن الشعوب الإسلامية كلها في خطر ، و إن واجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعوة إلى الله ، كل ذلك من أهم الواجبات الشرعية المطلوبة من الأمة كلها رجالًا و نساءً . و للمرأة دور كبير في هذا المجال يفرض عليها الخروج من منزلها و يفرض على زوجها أن يأذن لها بذلك لتُسهم بدورها في بناء مجتمع نسائي مسلم يكون جزءً من المجتمع الإسلامي الكامل المنشود"3"."
فالإسلام اليوم يحتاج إلى تضحيات كبيرة ، و خروج المرأة الداعية من بيتها للدعوة هو جزء من هذه التضحيات . و علينا سواءً أكنا آباء أم أزواجًا أم إخوة أم أبناءً أن نتفهّم و نعي هذا الأمر جيدًا ، و أن نعمل على حضّ نسائنا على الخروج من البيت لأجل الدعوة .
الهوامش:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب"حصاد الغرور"محمد الغزالي ، دار الثقافة ، ط 3 ، 1985 ، صفحة 257 و ما بعدها .
(2) مقال"قل للمؤمنين و للمؤمنات"نُشر في مجلة ( نوافذ ) اليمنية . العددان السابع و الثامن ، شباط و آذار 1998 .
(3) فصل"المرأة و الرجل أمام التكاليف الشرعية"صفحة 25 .