فلقد طبق الكيان الصهيوني في مواجهته مع العرب والمسلمين منذ عام ( 1967 ) وحتى هذه اللحظة جانبًا من ستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأوجد لشعبه مثلًا أعلى يضحي من أجله ، ثم وحّد صفوفه ، وأحسن إعداده ، وأتقن الانتفاع بمقدّراته ، وأحسن الإستفادة من جغرافية المواجهة ، وقوانين التعبئة ، وعشرات ( القوانين ) غيرها ...
بينما طبق العرب في المقابل ( ارتجالية ) أبي جهل ، وخطبه الرنّانة ، التي قالوا فيها:
( والله لا نرجع ، حتى نرد تل أبيب ، فنقيم فيها ثلاثًا ، نذبح الجزور ، ونشرب الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتغنينا أم كلثوم ، ونقذف إسرائيل في البحر ...!!! )
والتقى الجمعان ، وكانت النتيجة كما نعرفها جميعًا ...
انتصار ( الفقه ) و ( فهم القوانين ) و ( تطبيق السنن ) على ( الغباء ) و ( الغوغائية ) و (الخطابة) ...!!!
ولا تزال مأساة الأمة مستمرّة منذ ما يناهز القرن ، لاستمرار أسبابها ...
ولا تزال تتوالى عليها الهزائم تلو الهزائم ، والانتكاسات تلو الانتكاسات ، وهي تغط في سبات عميق ...
ولقد حاولت جاهدًا في هذه السطور ، أن أضم صوتي إلى أصوات كل الشرفاء والمخلصين من أبناء هذه الأمة ، وأن أضيف جهدي إلى جهودهم ، لنميط اللثام عن تلك ( القوانين ) التي تحكم الأمم ، و ( النواميس ) التي تنشيء الحضارات ، عسى الله يهيء لهذه الأمة من ( القادة القدوة ) و ( المجدّدين الربّانيين ) من ( يفقهها ) و ( ويطبقها ) ...
(( وَقُلِ اعْمَلُوا ، فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ) (التوبة:105) صدق الله العظيم .
حاجتنا إلى ( أولي الألباب )
د.فواز القاسم / سورية
إننا مع اعترافنا بأن ديننا الإسلامي العظيم هو أساس قيام حضارتنا العربية والإسلامية ، لأنه يقدّم المثل الأعلى ، الذي يتمركز حوله النشاط الجمعي ، ويرتقي بالنفوس إلى المعالي ، ويمنعها من التلهي بالسفاسف ، أو الانشغال بالحاجات الصغيرة ، التي تدور حول الغذاء والكساء والمأوى وغير ذلك .
إلا أنه لا يؤدي هذا الدور الحضاري بالصورة المطلوبة ، إلا إذا تولى (فقه) الدين ( أولو الألباب) من كل جيل من أجيال المسلمين ، كما أكَّد القرآن الكريم في مواضع كثيرة .
ولقد أثبتت التطبيقات التاريخية ، من لدن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وحتى هذه اللحظة ، بأن الأمة كانت في أفضل حالاتها ، عندما كان يقودها ( الفقهاء ) و ( أولو الألباب ) ، من أصحاب الفكر والمدارس الفكرية .
أما الفترات التي اشتغل خلالها ب ( فقه الدين ) ، أناس من غير ذوي الألباب ، فقد اكتوت الأمة بنار جهلهم، وجمودهم ، وتقليدهم ، وتوقف المد الحضاري ، وضعف المجتمع الإسلامي عن تلبية الحاجات الداخلية، وعن مواجهة التحديات الخارجية .
وحين نحاول اليوم ، تحديد الأزمة التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي ، بما فيها الحركات الإسلامية ، نجدها في سوء استغلال الثروة البشرية ، وسوء توزيعها ، والتي يسمونها اليوم: (عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ) .!!
ولعل أي متابع اليوم للعمل العربي والإسلامي العام ، سواؤ على الصعيد السياسي أو التربوي أو العسكري، أو غيرها من الأصعدة الأخرى ، يجد أن واحدة من أشد المصائب التي ابتليت بها الأمة اليوم هي: اختيار الاشخاص المسؤولين على أساس الولاء والمحسوبية للمتنفذين في الجماعة أو الحزب أو الدولة ، لا على أساس الكفاءة ، والاختصاص ، والاخلاص ، والتفاني في خدمة المجتمع ، والاجتهاد في تحقيق أهداف الامة ..
وربما حدث هذا لأسباب نفهمها جميعًا ، فالذين انشغلوا عن الأهداف العظيمة للأمة ، بالتخطيط لتأليف الجيوب ، وشرذمة الصفوف ، وبناء المختريات ، وتحقيق المصالح الأنانية الضيقة ، يحتاجون طبعًا الى قطعان وطوابير من الموالين ، الذين يتقنون فنون طأطأة الرؤوس ، وهزّ الأكتاف ، ورفع الأيدي للقرارات الجاهزة .!!!
ولكن ما حاجة هؤلاء بالاختصاصيين ، والعباقرة ، والمبدعين ، أصحاب الرأي الحر ، والقناعة المستقلة ، والتخطيط المبدع، والعمل المنتج .!؟
ولقد تفرَّعت عن هذه المشكلة ، مضاعفات تربوية وعسكرية وسياسية وإدارية ومالية … إلخ
ولو تتبعنا أصل هذه المشكلة عندنا ، لوجدنا أن السبب يكمن في ( تحجيم ) أو (تهجير) الطاقات الفاعلة ، من ( أولي الألباب ) من المبدعين ، والمنتجين ، والمتميزين ، ليحل محلَّهم الأغبياء والمغفَّلون والمقلِّدون ، وجلهم من المنافقين والوصوليين والانتهازيين .!!!
وسواء كان هذا (التهجير) خارجيًا ، بالهجرة خارج الأوطان ، والابتعاد عن مواقع المرابطة والعمل والإبداع ...