فهرس الكتاب

الصفحة 1717 من 27345

أو داخليًا ، بالعزوف والسلبية والانعزال ، فإن النتيجة هي نزف الأمة لجل أصحاب الفكر والعطاء والإبداع ، وتمسّكها بالميتة ، والمنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية .!

ولقد أثبت التاريخ وعلم الاجتماع الإنساني ، أن الفضائل الإنسانية توجد مجتمعة ، والرذائل توجد مجتمعة كذلك .

فالتدين الصحيح ، لا يوجد إلا مع العقل النيّر ، والفؤاد الذكي .

والإخلاص في العمل وإتقانه ، لا يوجدان إلا مع اللب المبدع .

والترفع عن الشهوات ، لا يوجد إلا مع البصيرة الخارقة .

والعزّة ، والرفعة ، والحريّة ، والنفور من الذل والعبودية ، لا توجد إلا في النفوس الأبية ، والعقول الذكية… وهكذا …

وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم حرص القرآن الكريم على التوجه بمجمل خطاباته إلى ( أولي الألباب) ، وحرص الرسول القائد صلى الله عليه وسلم ، على أن يكون معظم أصحابه ، وأحبابه ، وقادته، ومستشاريه منهم كذلك .

أفكار في الإصلاح والتغيير(3)

التغيير من الأعلى

د.فواز القاسم / سورية

إن تغيير واقع أية جماعة أو أمة ، ونقله من حالة التردي ، الى حالة النهوض ، إنما يتمّ بطريقين ، أو خطين:

الخط الأول: وهو الخط النازل ( من الأعلى إلى الأسفل ) ، وهو خط التغيير الأساسي في الجماعات والأمم … وأعني به خط القيادة . فإذا تهيأت للجماعة أو الدولة أو الأمة ، قيادة راشدة ، تتحقّق بمواصفات متميّزة . فإنها تستطيع أن تنهض بها الى مستوياتها ، وتحلّق بها في الآفاق التي تعيشها ، ثمّ تقودها بعد ذلك بخطى واثقة ، وأقدام راسخة ، لتحقق ما تصبو اليه من أهداف ، وما تتطلّع اليه من طموحات …

من أجل ذلك فقد أرسل الله الأنبياء والمرسلين ، من لدن آدم ، الى سيدنا محمد ، صلوات الله عليهم أجمعين.

وكان كلما طال الزمن ، وخلا رسول ، وضلّت البشريّة طريقها ، يرسل رسولًا ، مجدّدًا للمبادئ ، وموقظًا للضمائر ، وباعثًا للهمم ، وقائدًا وقدوة على الطريق …

قال تعالى: (( إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ، وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير ) ). فاطر (24) .

ومن أجل ذلك أيضًا ، فقد كان الأنبياء والمرسلون بشرًا عاديين ، ليجتهدوا في تطبيق التكليف الرباني في أقصى كمالاته البشرية ، وليتمكن أتباعهم من تقليدهم ، والتّأسي بهم ، والسير على منهجهم …

قال تعالى: (( وما أرسلنا قبلك إلاّ رجالًا نوحي إليهم ، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) )الأنبياء (7) .

وقال: (( وما أرسلنا قبلك من المرسلين ، إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون ، وكان ربك بصيرًا ) ).الفرقان (20) .

والخط الثاني: في عملية تغيير واقع الجماعات والأمم ، هو الخط الصاعد ، وهو الخط البديل ، والرديف للخط الأول (خط القيادة ) ...

وهو يعني أن يتحرك أفراد من أبناء الأمة وجنود الدعوة ، ويتساموا في مدارج المعالي والكمال البشري ، بما يحملون من فكر متّقد ، وحركيّة واعية ، وحيويّة متفجّرة .

ومن خلال حركتهم ، وحيويّتهم ، وتفاعلهم ، ستقذف بهم الأحداث الى مواقع المسؤولية والقيادة حتمًا . لأن هذه هي سنة الحياة ، وهذا هو قانون الوجود . قال تعالى: (( فأما الزبد فيذهب جفاءً ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ). الرعد (17) .

ومن خلال مواقعهم تلك ، ينهضون بالأمة الى الآفاق التي يحلّقون بها ، ويقودونها لتحقيق الأهداف و الطموحات التي نذروا حياتهم من أجلها … ولذلك ، لما شاءت إرادة الله ، أن تختار محمّدًا صلى الله عليه وسلم، ليقود هذه الدعوة المباركة في آخر حلقة من حلقاتها ، وليكون خاتم أنبياء الله ومرسليه . قال تعالى: (( ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين ، وكان الله بكل شيء عليما ) ). الأحزاب (40) .

فقد أوكلت مهمّة التغيير والإصلاح من بعده الى جنوده وأتباعه، لأن الإسلام العظيم هو دين العمل والمبادرة والإيجابيّة ، وهو يمقت الخنوع والكسل والسلبيّة ، ويطالب أتباعه دومًا بالعمل على ترشيد الحياة ، وقيادتها ..

قال تعالى: (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) ). الأحزاب (21)

وهذا هو معنى بشارة النبي صلى الله عليه و سلم لهذه الأمة ، بأن يبعث الله لها على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها أمر دينها ، وليس ذلك المجدّد _ الذي تناط به مهمة التغيير _ إلا واحد من الذين فهموا بعمق منهج النبوة الراشد ، وعملوا بكل ما يستطيعون على التأسي به ، واتباعه ، وتطبيقه...

أفكار في الإصلاح والتغيير(4)

التغير

من الداخل

د.فواز القاسم / سورية

إن صحة أية جماعة ، أو أمة ، أو مرضها ، أساسهما نابع من صحة الفكر أو مرضه ، قال تعالى:

(( إن الله لا يغير ما بقوم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم ) )الرعد (11) ... هذا في التغيير الإيجابي ، وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت