(( ذلك بأن اللهَ لم يكُ مغيِّرًا نعمة أنعمها على قوم ، حتى يغيِّروا ما بأنفسهم ) )الأنفال (53) ، وهذا في الجانب السلبي .
ولشرح هذا القانون نقول: إن كل مجتمع إنساني يتكون من ثلاثة عناصر رئيسيّة هي: ( الأفكار ) و (الأشخاص ) و ( الأشياء ) . وترتبط هذه المكونات الثلاثة فيما بينها بعلاقة معينة ، تتبدل طبقًا للزمان والمكان.
وبحسب نوع العلاقة بين مكونات هذا الثالوث ، تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الأفراد والجماعات ، ويتشكل محور الولاءات في المجتمع ، ويتحدد منهج الفهم والتفكير الذي يسود فيه ، ويترتب سلّم القيم الذي يوجه أنماط السلوك بين أفراده .
فإذا كان الولاء في الجماعة أو الأمة ( للأفكار ) ، فهي جماعة أو أمة ناضجة ومتحضِّرة ، وتكون في أعلى درجات صحتها وعافيتها ..
وفي هذه الحالة يتسلم مراكز القيادة والريادة ( الأذكياء ) ، الذين يحسنون مجابهة التحديات ، واتخاذ القرارات .
والذين يتسم منهج تفكيرهم بالعمق والدقة والعلمية والشمول ، فيسخرون طاقاتهم ، ويفنون أعمارهم ، في العمل للقضايا الكبيرة والخطيرة التي تهم أمتهم ، وتدور جل اهتماماتهم حول قضايا مجتمعاتهم ، ومصلحة أوطانهم .
وحين يكون الولاء في الجماعة أو الأمة ( للأشخاص ) هو المحور ، وتدور أفكار الناس في فلك الأشخاص ، فإن السمة الغالبة لمثل هذا المجتمع ، تصبح هيمنة محبي الجاه والنفوذ ، وسيطرة أصحاب القوة والسطوة ، الذين يسخِّرون (الأفكار والأشياء) معًا ، لمصالحهم الشخصيّة ، ورغباتهم الأنانية ...
وهنا ينحصر التفكير في مصلحة الذات أو الفئة ، لا غير ، ويتَّصف بالضحالة والتفاهة والسطحية ..
وتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والخصومات والمهاترات الحزبية .
وتسيطر هذه التفاهات على التفكير والتدبير ، إلى الحد الذي لا تترك فيه متّسعًا للقضايا الكبرى ، والتحديات المصيريّة .
أما حين يكون الولاء ( للأشياء ) ، وتدور ( الأفكار والأشخاص ) في فلكها ، فهنا الطامة الكبرى ، والمصيبة العظمى .! حيث تصبح الهيمنة في الجماعة أوالأمة لأرباب الأموال والتجارات والاستثمارات ، وتسود ثقافة الترف والاستهلاك ، وتُداس القيم والاعتبارات ، وتصبح الأفكار والمباديء ، مجرَّد سلع ومواد للاستهلاك المحلِّي .!!!
وهنا يتعطل الفهم والتفكير ويصابان بداء الشلل ، وينشغل المسلمون بأشيائهم وحاجاتهم ورواتبهم ، لا يعرفون معروفًا ، ولا ينكرون منكرًا ، وفي النهاية تلفظ الجماعة أو الأمة أنفاسها الأخيرة ، مصداقًا لنبوءة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم ، الذي قال: (( والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها ، كما تنافسوها ، فتهلككم ، كما أهلكتهم ) )مسلم .
وإذا أردنا أن نستعرض التطبيقات العملية لهذا القانون فهي كثيرة ، ففي عصر النبوة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعمّق الولاء للفكرة ( وهي العقيدة ) ويجعله محور العلاقات الخاصة والعامة في المجتمع المسلم ، وكانت ( أشخاص) المسلمين و ( أشياؤهم ) ، تدور في فلك الولاء للفكرة الإسلامية ، تطبيقًا لقوله تعالى: (( إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) )التوبة (111)
وبعد عصر النبوة ، جسّد الخلفاء الراشدون هذا الولاء للفكرة الإسلامية أروع تجسيد ، ورصدوا أشخاصهم وأعمارهم وأشياءهم لنشرها ، في الخارج: بالجهاد والتضحية والشهادة . وفي الداخل: بالعدل ، والقدوة ، والشورى .
ثم كان المنعطف الخطير بعد عهد الراشدين ، رضوان الله عليهم ، يوم بدأ رجال السياسة ، بتطويع رجال الفكر والشورى لأشخاصهم ، بحجة الحرص على الفكرة ، والغيرة على الدولة .
ثم ازداد هذا النهج وتفاقم ، يوم راح رجال السياسة يطاردون رجال الفكر ويضطهدونهم ، كلما استعصوا على الولاء للأشخاص .
ثم تلا ذلك تطور آخر ، حيث انتقل الولاء فيه للأشياء ، واشتغل المجتمع الإسلامي بالدنيا ، وتنافس الناس في جمع الثروات ، وتكديس الممتلكات ، وصارت علاقاتهم ومنازلهم تتحدَّد طبقًا لهذه التوافه .!!!
وهكذا وطبقًا لهذا المنهج ، فإننا نستطيع أن نميز بين ثلاثة مشاهد في التاريخ الإسلامي: ففي قرون الولاء للفكرة ، تجمعت كلمة الأشخاص ، وترسَّخت وحدتهم ، وازدهر أمرهم ، وبان عزهم ، وعزَّ نصرهم .
أما في قرون الولاء للأشخاص ، فقد برزت الصراعات الأسرية من أجل الخلافة ، وتشرذمت الأمة ، وتوزعت ولاءاتها حول الأشخاص والعوائل والمذاهب ، واشتغل المسلمون عن العدوّ الخارجي بالحروب والصراعات فيما بينهم .
وحين انتقل محور الولاء إلى الأشياء ، انحدر المجتمع الإسلامي إلى الحضيض ، وتمزَّقت شبكة العلاقات الاجتماعية حتى داخل الأسرة الواحدة ، أو المذهب الواحد .
وصارت الشعارات الفكرية ، بعض سلع التجارة ، ووسائل الترف ...!!!