الأمر الذي أدى إلى وفاة المجتمع الإسلامي آنذاك ، ومجيء الجماعات الصليبيّة والمغوليّة ، لتعلن نبأ وفاة المشروع الإسلامي ، وتقوم بمراسيم دفنه وإهالة التراب عليه . !
قانون العمل الجماعي
د.فواز القاسم / سورية
إن العمل الجماعي ، سواء أكان في ميادين السياسة ، أو الاقتصاد ، أو الاجتماع ، هو من أهم ضمانات النجاح والتفوق في الأمة ، ولقد حثَّ المنهج القرآني ، على أسلوب العمل الجماعي ، واعتبر أن يد الله مع الجماعة.
ومن يدرس السيرة المطهرة يجد كيف أكد القرآن على ضرورة الهجرة والالتحاق بالتجمع المؤمن ، لكل من يدين بالولاء لهذا الدين ، واعتبر ذلك من لوازم الإيمان الحق .
بينما عاب على من يكتفون بالإيمان السلبي ، دون حركة عمل جمعيّة موحّدة ، وذكر العلة في ذلك ، كون المشركين وأهل الباطل أنفسهم ، لا يمارسون باطلهم بشكل فردي ، بل بصورة جماعيّة (( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، والذين آووا ونصروا ، أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ، ولم يهاجروا ، ما لكم من ولايتهم من شيء ، حتى يهاجروا. وإن استنصروكم في الدين ، فعليكم النصر ، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ، والله بما تعملون بصير ، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ، وفسادٌ كبير ) )الأنفال (73) .
أي إن لم يوالِ بعضكم بعضًا ، ويقوِّ بعضكم بعضًا ، فسوف يقوم الكفارُ ، والمشركون ، الذين يتصفون بكل تلك الصفات، بفتنة المسلمين ، وإفساد الأرض .
وإنني أعتقد أن أروع صيغ العمل الجماعي في الأمة ، عندما تتعاون ( المدارس الفكرية ) مع ( المؤسسات التنفيذية ) ، أي تعاون السلطتين (الفكرية والروحية والتشريعية) مع (التنفيذية والتطبيقية) .
وأعني بالمدرسة الفكرية ، تلك المؤسسة المغيّبة اليوم عن ساحة التأثير في الأمة ، والتي أسأل الله لها الولادة في أسرع وقت ممكن ، والتي أقترح لها أن تجمع نخبة من ( العباقرة ، والأذكياء ، وأولي الألباب ) في الأمة ، من الذين لا تقلُّ معدلاتهم في الثانويّة العامة ، عن (95%) ، ثم يجري إعدادهم إعدادًا فائقًا ، يؤهِّلهم لتسلّم مهمات القيادة الفكرية ، وإفراز (الحكمة النظريّة ) ، وابتكار الستراتيجيّات اللازمة في جميع ميادين الحياة ، والسهر على تطويرها ، حسب متطلّبات الزمان والمكان .
أما المؤسسات التطبيقية ، فتكون مهمة كل منها ، إفراز ( الحكمة العمليّة ) ، أي تنفيذ الجزء المتعلق بميدانها ، من الستراتيجيات والبرامج والخطط التي تفرزها المدرسة الفكرية ، في كافة الميادين التربوية ، والعسكرية ، والسياسية ، والزراعية ، والتجارية ، والصناعية ، والعلمية ، وغيرها …
والعلاقة بين ( المدرسة الفكريّة ) و ( المؤسسات التنفيذية ) ، تشبه تمامًا العلاقة القائمة بين القلب والدماغ من ناحية ، وبين الأطراف والأعضاء الخارجية ، من ناحية أخرى .
ففي حين يقوم الدماغ بالتفكير والتخطيط والتقويم ، ويقوم القلب بضخ الدم والغذاء اللازم لبعث القوة ، وإشاعة الحياة ، وتفجير النشاط ، في جميع أجزاء الجسد ومكوناته وأنسجته وخلاياه .
فإن الأطراف والأعضاء الخارجية تقوم بمهمة التنفيذ وتحويل الصور الذهنية ، والمشاعر القلبية ، إلى حركات وأفعال وممارسات .
وكما يتخذ كل من القلب والدماغ مكانهما في أمنع التجاويف الداخلية وأحصنها من الجسم ، خوفًا عليهما من أن يصيبهما شيء من الصدمات أو الأضرار ، فيمنعهما من أداء دورهما كما ينبغي .
فكذلك ( المدرسة الفكرية ) يجب أن تأخذ مكانها في أمنع مواقع الأمة وأحصنها ، بعيدًا عن مواقع الكبت ، والملاحقة ، والأذى ، والاعتقال . وبعيدًا عن مواقع الصراع ، والتنافس ، والتناقض .
والقرآن الكريم ، يوجه لهذه العلاقة بين المؤسستين في قوله: (( فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون ) )التوبة (122)
وبغض النظر عن الخلاف الذي حصل في المقصود من الفئة المتفقِّهة ، هل هي الفئة الجالسة للتخصص ، أم هي المتحركة بحركة الدين ، والمجاهدة في سبيل العقيدة ، فإن النتيجة هي إفراز وتعاون الطائفتين أو المدرستين:
1.المدرسة الفكرية: ومهمتها (إنذار) الأمة وتبصيرها (( ولينذروا قومهم ) ).
2.والمدرسة التنفيذية: وهي التي تتولى إجراءات (الحذر) والتنفيذ (( لعلهم يحذرون ) ).
وحين تغفل الأمة عن العناية بالمدرسة الفكرية فيها ، ولا تتوفر الأجواء والوسائل اللازمة لقيامها بعملية المراقبة والهيمنة على المؤسسات التنفيذية ، فإن واحدة أو أكثر من المضاعفات التالية ستحصل لا محالة: