حينما يبحر المرء مع هذه السورة العظيمة الكريمة، في هذا البحر الزاخر الذي يشع نورًا وإشراقًا وجمالًا من جميع جوانبه، انظر إلى الأعماق الممتدة أمامك، ألا تشدّك الرغبة إلى أن تصل إلى أعماقه؟ فإذا نظرت إلى جمال هذه السورة أخذتك الدهشة من روعتها وبيانها، وإذا نظرت إلى آياتها عاد إليك الطرف حسيرًا، بعدما انبهر بتكامل صورها وبيانها، فمهما قلنا في هذا البيان فقولنا يظل ناقصًا، وقوتنا تبقى عاجزة أن تصل إلى ذرات إبداعاتها. كيف لا، وهي كلام من بيده القدرة والإعجاز، الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون، في أقل من لمح البصر.. ونحن سنبحر على مركب صغير، لنقطف من ثمارها اليانعة وننهل من عذب مائها، ونحوز من جواهرها وأصدافها، ونقف مع بعض معانيها لتكون علامات تضيء الطريق للسالكين، الذين بلغ بهم الهم مبلغه، وضاقت عليهم الدنيا بما رحبت؛ فلو تأملوا ما فيها من الآمال، والحلول لما وُجد متعب يشكو على وجه الأرض، لذلك سأعرض عليك هذه التأملات عبر هذه الوقفات التي منّ الله بها علينا، وهي تأملات وخواطر سانحة، فتح الله بها من عنده، بمنّه وكرمه، فما كان فيها من حق ووافق المعنى، فهو من توفيق الله وحده، وليس لي منها أي جهد، وما كان فيها من خلل أو جانب الصواب فهو من تقصيري وسوء فهمي، والله ورسوله منه براء ولكن حسبي أني مجتهد، يرغب في تأمل هذا البحر الزاخر بالجواهر والأصداف، ولهذه الرحلة حكاية عجيبة، فما هي هذه الحكاية ومن هو يا ترى السبب؟
أخي الكريم.. سأعرض عليك هذه التأملات. على مدار حلقات متتابعة، أسبوعية.. بإذن الله عبر هذا الموقع المبارك، فالله أسأل أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا يوم نُعرض عليه، ونحن نتشبث بأي أمل لعلنا ننجو من هول المطلع، وأملنا في رحمة أرحم الراحمين، التي وسعت كل شيء.
د. خديجة كانت السبب
عبدالله بن عبدالرحمن العيادة 10/9/1426
أحيانًا ينساق الإنسان إلى الخير، من حيث لا يدري أو يحتسب، وقد يكون غافلًا عن أمر يريده فيأتيه وهو لم يطلبه، فإذا دخل في غماره إذا بالمعاني العذبة تنساب، وتتدفق كنهر يجري في منحدر محاط بالوديان والأشجار الكثيفة، ذات الثمار اليانعة، فذاق طعمها، بعدما أبحر مع نهرها.
لذلك ما أعظم هذا الدين وأروعه! فهو يكرم من ينتسب إليه، بعد موته وفراقه للدنيا، مثل تكريمه وهو على قيد الحياة، وذلك بأن يُجري له الخير والأجر على العمل الذي يقوم به في حال حياته، إذا كان هذا العمل من العمل المتعدي نفعه إلى الآخرين، ومن أعظم الأعمال التي يتعدى نفعها إلى غيرنا الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهي رسالة الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، ومن يسلك هذا الطريق يحز على الأجر العظيم، الذي يجده في صحائفه مدّخرًا له يوم يُعرض على ربه، ومصداق ذلك قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ومن كان السبب في كتابة هذه الكلمات التي أمامك، هو الذي دعاني لذكر هذه المقدمة، إنها امرأة لها حكاية عجيبة، فهذه امرأة تحمل رسالة الدكتوراه، وهي الدكتورة خديجة عبد الماجد عبد العظيم حسان، أستاذ مساعد في كلية التربية للبنات بجدة، الأقسام الأدبية، قسم علم النفس نذرت نفسها ومؤهلها وعلمها لخدمة دينها والدعوة إليه، فقد وظفت كل إمكانياتها لذلك، فانطلقت دعوتها لبنات جنسها من المسلمات؛ فقد أخذت على عاتقها الدفاع عن قضايا المرأة المسلمة، وما يُحاك ضدها من مؤامرات، فكانت ترصد وتتابع ما يصدر في وسائل الإعلام، وما يُقرر في المؤتمرات المشبوهة عن المرأة، فكانت تكتب وتلقي المحاضرات، ولم يقعدها المرض عن ذلك.