فهرس الكتاب

الصفحة 17520 من 27345

وسبب معرفتي بجهودها، فقد اتصلت عليّ لأول مرة بالهاتف، وبعد أن عرّفت عن نفسها، قالت: إنها مشتركة في موقع على شبكة الإنترنت، وهذا الموقع أخذ على عاتقه الدعوة إلى الله، وطلبت مني المشاركة في الكتابة في هذا الموقع، ثم اقترحت اقتراحًا، ومفاد هذا الاقتراح أن المجتمع اليوم يعيش شبه أزمة في الأخلاق والتعامل وحتى السلوك، ولا بد من التصدي لهذه الأزمة، والكتابة عنها، وإنارة الطريق للناس، فاقترحت أن أقوم بالكتابة والإبحار، عبر سورة الحجرات، لتأمل المعاني التي فيها لمعالجة هذه الظواهر، من السلوكيات المنتشرة اليوم، ويحصل بسببها عداوات كثيرة، فسبحان الله وقع هذا الاقتراح في نفسي، وأحسست أن الله سبحانه وتعالى سيلهمني ويرشدني إلى الصواب، فطلبت منه العون والسداد سبحانه وتعالى، فشرعت في الكتابة، ووجدت أن الطريق سالكة، والمعاني تتدفق كالنهر يجري، وهو من توفيق الله وحده لي، مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17) . ومَنّ الله سبحانه وتعالى بمنّه وكرمه وتوفيقه وتيسيره بالبدء بهذه التأملات غرة شهر رجب عام 1423هـ، وتم الانتهاء من هذه التأملات لهذه السورة المباركة مساء يوم الجمعة الموافق 23/1/1426هـ.

ولكن حصل شيء لم يكن في تقديرنا فقد انتقلت صاحبة الفكرة إلى جوار ربها قبل الانتهاء من التأملات لهذه السورة، فأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجزيها خير الجزاء، ويجري لها الأجر والثواب، على ما قامت به من جهد في الدعوة إلى الله، ونحسبها -والله حسيبها- من المجاهدات، ومن الصابرات على البلاء، فقد قدّر الله عليها، وأُصيبت بمرض تليف الكبد، وهو المرض الذي قُبضت فيه، وقد صحبت زوجتي لزيارتها في المستشفى الجامعي بجامعة الملك عبد العزيز في مدينة جدة، وعند دخول زوجتي عليها استأذنتها قائلة: لعل زوجي يقرأ عليك شيئًا من القرآن، فرفضت الفكرة قائلة: بل أنا أقرأ على نفسي، لأني مضطرة، والله سبحانه وتعالى يجيب المضطر إذا دعاه، ويختار لعبده ما يراه سبحانه وتعالى ويريده؛ فلا رادّ لحكمه، فلقيت وجه ربها سبحانه وتعالى مساء يوم الأربعاء الموافق 16/3/1426هـ.

فرحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته، ووالدينا والمسلمين أجمعين..

وأذكرك يا من تقرأ هذه التأملات، ألاّ تنساها، ولا تنسانا من دعوة في ظهر الغيب، عسى الله أن يرحمنا، ويتقبل منا، وأسأله سبحانه أن يفتح علينا ويلهمنا، إنه سبحانه هو ولينا، فنعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين..

مدخل تعريفي..

هذه السورة اسمها سورة الحجرات لورود هذه المفردة (الحجرات) في ثنايا النص الكامل، ولهذه الحجرات قصة سنقف عندها في مكانها..

رقم هذه السورة في المصحف (94) ورقم صفحاتها (515) وعدد آياتها (18) آية، والسورة التي قبلها، سورة الفتح والسورة التي بعدها، سورة ق.

نزلت هذه السورة في المدينة النبوية، أي في العهد المدني، وهذا له دلالة معينة، فهي من السور ذات الرموز البنائية التربوية التعاملية التي تحتاجها الأمة.

والمتأمل للسور المدنية، يجدها هكذا، فبعد الانتهاء من البناء العقدي، للنفوس في المرحلة المكية، وصار لديها استعداد لتقبل وتنفيذ أمر الله، بكل طواعية وتلقائية وانقيادية؛ لأن ذرات الإيمان قد امتزجت مع خلايا الدم في عروق المؤمنين، فصاروا أداة لينة في تقبل التكاليف التي أمر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصار لديهم استعداد للتضحية، والدليل أنهم قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل من آمنوا به سبحانه وتعالى.

لهذا صار لا بد من اكتمال المشروع الإسلامي، خلال المرحلة الثانية منه، وهي المرحلة المدنية، فلقد تم البناء الأول في المرحلة المكية، وهي ترسيخ أسس هذا الدين، وهو التجرد من شوائب التبعية، للقبيلة والأسياد، والسجود للأصنام إلى صرف السجود والخضوع، لرب واحد، بدلًا من الأرباب بكل عفوية ومحبة وخوف ورجاء وتلقائية واندفاع.

فصاروا بعد هذا بحاجة ماسة إلى البناء الآخر، وهو البناء التعاملي؛ لأن هذا الدين وأتباعه ينتظرهم دور خطير على مسرح الحياة، لإنقاذ البشرية من دياجير الظلمات، وإخراجهم إلى ساحات النور والهدى، فلا بد أن يُعد هؤلاء الإعداد المتكامل لحمل المشعل، ويقدموا الصورة الحقيقية لهذا الدين كما أراده الله أن يكون.

إلى هنا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، إلى اللقاء في الحلقة الثالثة إن شاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ضوء من الحجرات(3)

عبد الله بن عبد الرحمن العيادة 26/9/1426

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت