أحيانًا تُساق للخير بدون مقدمات، ففي يوم الخميس الموافق 4/4/1426هـ ذهبت لزيارة معرض الكتاب، الذي نظّمته الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، وبينما كنت أتجول في أقسام المعرض، استوقفني جناح خُصّص لبيع أشرطة (الكاسيت) ، فوقع بصري على (ألبومات) من عدة أشرطة، مكتوب عليها اسم الشيخ العالم الداعية عطية بن محمد سالم رحمه الله رحمة واسعة، ولشدة محبتي لهذا العالم- فقد عرفته من خلال تلك الدروس الرائعة، التي كان يلقيها في رحاب المسجد النبوي الشريف، وكانت تُنقل عبر أثير إذاعة القرآن الكريم، من المملكة العربية السعودية- اشتريت مجموعة من هذه (الألبومات) ، وكان من ضمن المجموعة التي اشتريت، قصة الإسراء والمعراج، فقلت لعلي استمع لهذه القصة وأنا عائد يوم الجمعة، فكان كذلك.
عندما سرت متوجهًا إلى القصيم عبر الطريق السريع، وضعت أول شريط في المجموعة، وبدأ نهر العلم يتدفق، من خلال حديث الشيخ الرائع، والشيخ قد فارق هذه الدنيا بجسده، ولكن بقي منه هذا العلم، فقلت في نفسي، صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما ذكر ما الذي يبقى للميت بعد موته ينفعه، وذكر"أوعلم يُنتفع به"، فوجدت هذا عمليًا؛ فلهجنا للشيخ بالدعاء أنا ومن معي، بعدما عطّر أسماعنا بالحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم استمر الشيخ بالحديث عن قصة الإسراء والمعراج، وبدأ يمهد للحديث، وهذا فن لا يجيده إلا قليل من العلماء، وهو التمهيد للفكرة بتوطئة مقنعة للمتلقي، وهذه نجح الشيخ فيها بدرجة امتياز -ومن أراد التأكد فليستمع إلى تلك الأشرطة- وهي موجودة في مكتبة المسجد النبوي الشريف.
تطرّق الشيخ إلى سورة النحل؛ لأنها السورة التي وردت قصة الإسراء في صدرها، ونالت هذه السورة شرف التسمّي بهذه الحادثة التي اخترقت المعقول وغير المعقول، لتحدث شرخًا في عقول الحيارى الذين تاهوا في لحجج الجهالة؛ إذ لا يصدقون إلا ما تراه عيونهم، أو تحسه عقولهم،أو تسمعه آذانهم، فهؤلاء على عيونهم غشاوة، وفي آذانهم صمم مستحكم، أما أذهانهم فهي الجرداء الخالية من مادة الذكاء والتفكير السليم، و الرجل الذي نال لقب الصّديق، لم يكن بحاجة إلى أي دليل ليصدق هذه الحادثة، فقط قال بكل بساطة ويقين: إن كان محمد -صلى الله عليه وسلم- قد قاله فقد صدق -الله أكبر- ، هنا تكون العظمة والقوة والتحدي، لذلك لقّبه الصادق المصدوق بالصّديق، ليظل هذا علمًا عليه، إلى يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أثبت ذلك في كتابه، وجعله قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، وتأمّل قول الحق تبارك وتعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ...) [الزمر: 33] هما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- لتخلد بعد ذلك هذه الحادثة على مر التاريخ. وبينما كنت غارقًا، وسارحًا في بحر الخيال، وأنا أعود بالذاكرة مع الشيخ إلى مواطن حياة المصطفى، وإذا به يعود بي إلى واقعي بلحظة خاطفة لم أحسب لها حساب، فما الذي حدث؟