ويستمر الحديث والإبحار مع آيات هذه السورة المباركة الجامعة. الحديث والسياق القرآني ينتقل نقلة نوعية في الهدف المطلوب، بعدما أرسى دعائم الإيمان والإجلال لشخص رسول الله -صلى اله عليه وسلم- في نفوس أتباعه الذين عاصروه، والذين جاؤوا من بعده ليعظموا بذلك ما جاء عن الله سبحانه وتعالى. بداء بدأ يسلط الضوء على مفردات أخرى ذات طابع، فأعاد لفت الانتباه للمؤمنين لتبقى الخصوصية بأن هذا البناء خاص بهم ــ ولامانع أن يستفيد منه غيرهم إن هم أخذوا به ــ وهذا من أسرار وعظمة القرآن والإسلام. فأحكامه تنفع لكل من طبّقها, فمن صفات هذا الدين الشمولية. لكن أين المطبّقون؟
مع ملاحظة أن بعض الأمم الكافرة قد استفادت من تعاليم الإسلام, بينما بعض أبناء أمتنا أعرضوا عنه، فأصابنا ما أصابنا من الذل والمهانة, خذ مثالًا: أمرنا الله سبحانه باتخاذ القوة وعدم الركون أو الثقة في عدونا فما الذي حصل؟ عدونا أخذ بمبدأ الإعداد للقوة مع نظرته الدونية لنا, بينما أمتنا تركت الإعداد مع الركون والثقة بالعدو. فما هي النتيجة..؟ النتيجة واضحة كالشمس في رابعة النهار .. قال الله تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...) [الأنفال:60] فلا يرهب العدو إلا القوة؛ فلو أن الأمة تستيقظ من رقدتها وتنفض غبار الانهزامية، وتثق بربها سبحانه و تعالى، وبوعده، وتتوكل عليه، فأول شيء ستحس به هو الانتصار على النفس المنهزمة من الداخل، ومن المهم جدًا أن ننتصر على الهوان الذي يضرب أطنابه في دواخلنا، وقد شربنا الهزيمة قبل أن نواجه عدونا, ولم نفطن إلى أن العدو لايزال في حالة ترقّب وتوجّس لهذا المارد أن يستيقظ، هو يعمل جاهدًا بأن يجعل هذا المارد نائمًا ومخدرًا أطول وقت ممكن, مع إيهامنا بأنه سيحمينا عند الحاجة إذا داهم الخطب؛ فلا حاجة إذًا لإشغال أنفسنا بجمع السلاح وأخذ القوة .. فهل نفطن لذلك؟ ولكن مع الأسف الشديد صدقنا وانطلت الحيلة علينا، وانظر يمينًا وشمالًا ترى ما يحزن فؤادك ...؟ ثم تأمل قول ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية العظيمة والتي هي قاعدة مهمة في التعامل مع العدو، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم خبالًا ودّوا ما عندتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) [آل عمران ، 118] ، وتأمل هذه الآية وهي أشد تأثيرًا (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) [آل عمران 150] نعم .. نعم ..
عندما كان الإسلام قليل المنعة، وكان أتباعه قليلين في مكة، أول أيام العهد المكي، كان الكفار لهم صولة وضجيج, وكانوا يؤثّرون في سير الأحداث حتى إنهم حالوا بين الضعفاء وإعلان إسلامهم، ولكن عندما قويت شوكة الإسلام والمسلمين في العهد المدني, خاصة بعد معركة بدر، وعرف المشركون مدى التأثير والتغير الذي طرأ على هؤلاء مع نبيهم، محمد -صلى الله عليه وسلم- أرجفوا وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، لذلك اندس أناس يسكنون المدينة ويتعايشون مع المسلمين جنبًا إلى جنب، وبما أن الشوكة للمسلمين ظهر ما يُسمّى بمفردة النفاق، والمنافقين، وهو إخفاء وإظهار - ولا يتصف بها إلا الحاقد اللئيم الجبان الغدّار- فأظهروا الإسلام، و أخفوا في جوانح أنفسهم الكفر المبطن بالحقد، وهو أخطر من الكفر, والعجب أن النفاق لم يظهر في مكة؟ لأن أهل مكة في ذلك الوقت لا يخجلون من إظهار كفرهم، ويرون أن المسألة تحدٍ لمحمد - صلى الله عليه وسلم- وأنهم كفرسي رهان, ولكن تاهوا في غيهم وتكبّروا وظنوا أنهم على هدى مبين, وسرعان ما ذهبت أحلامهم أدراج الرياح يوم عاينوا الحقيقة، وعرفوا من هو الذي على حق، وذلك بعد معركة بدر الفاصلة التي قلبت موازين القوى لصالح المسلمين؛ فالذين قُتلوا من المشركين جاءتهم الطامة والصاعقة عندما أحاطت بهم الملائكة تقطف رؤوسهم وأرواحهم, وعندما أُلقيت أجسادهم في ذلك القليب، ولكن لم ينفعهم هذا عندما عاينوا الحقيقة؛ لأن المهلة المتاحة لهم قد انتهت, أما الذين لم تنته مهلتهم ولم يُقتلوا فمنهم من أسلم ونجا ومنهم من أذعن واستسلم لقوة الإسلام.