فهرس الكتاب

الصفحة 17529 من 27345

أما تلك الشرذمة في المدينة، فإنهم أجبن و أحقر من إظهار ما يعتقدون، لذلك شربت نفوسهم الخبيثة التكتّم والتلوّن، ولكن سيماهم في وجوههم من أثر النفاق, وبدؤوا يحيكون الدسائس والخداع، للنيل من المسلمين وعلى رأسهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- لهذا كان المسلمون بحاجة إلى التذكير عن هؤلاء من أجل أخذ الحيطة والحذر، وعدم الانسياق وراء الأخبار الوافدة, فجاء الخطاب موجّهًا للمؤمنين فقط - وهذا خاص لهم - قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا...) ما أجمل هذه الآية! إنها بحق تعتبر إستراتيجية في التعامل مع الأحداث, خاصة وقت الأزمات، التي يكثر فيها الهرج والمرج والإرجاف, فقد يأتيك شخص بخبر ويوهمك أنه يريد الإصلاح, بينما هو غير ذلك, فإذا عرفت حال الناقل فتعاملْ مع خبره على أساس معرفة حاله, فإذا جاءك الفاسق بخبر فلا تهمله مطلقًا ولاتقبله مطلقًا ...لذلك إذا نُقل إليك خبر، استقبله وتأمّله بما آتاك الله من بصيرة وعقل مستقل في التفكير، وهو التثبّت والتحري من هذا الخبر المنقول إليك، من أجل ألاّ تنزلق في مصيدة هذا الخبر, فتكون أسيرًا لهذا الخبر الذي حمله إليك هذا الفاسق المغرض, وتتجنب مذلة الاعتذار نتيجة اتخاذك لقرار بُني على ضغط تداعيات ذلك الخبر ـ فما أصعب المهانة! ـ ولعلك تذكر ذلك الأفّاك الأثيم زعيم تلك الطائفة، التي تُلقّب هذا العصر بالطابور الخامس, وهو ابن سلول, عندما رمى (أم عبد الله رضي الله عنها) الطاهرة المطهرة العفيفة، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم المؤمنين عائشة بنت الصديق، رماها بالزنا، مع الصحابي الجليل، صفوان بن المعطل، -رضي الله عنه- مستغلًا بذلك ذلك الحدث، عندما تأخّرا في اللحاق بركب الجيش, ولحكمة يريدها الله، سرى هذا الخبر في طرقات المدينة، فأُشرب به المنافقون كعادتهم، عند كل حادثة تمس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته, ومع الأسف تلوّث به بعض الصحابة. وكم هي البشائر التي أثمرها هذا الخبر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعائشة -رضي الله عنها- والمسلمون من بعد ذلك، ومن الدروس التي برزت في هذا الخبر هو العتاب الرباني للصحابة الذين تلوّثوا بهذا الخبر، يقرر هذه المسألة وهو التثبّت التام إذا جاء الخبر من فاسق معلوم فسقه (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا...) . إذًا هذا ينطبق على كل خبر ينقله فاسق.

وهناك مسألة أخرى تبرز هنا، إذا كان الخبر المنقول يتحدث عن مؤمن أو مسلم مشهود بعدالته وورعه وحبه للخير، فيجب ألاّ ننساق وراء الخبر، ونلغي بذلك عقولنا، ونصدق ما يقوله الناقل بناء على مكانته، أو منصبه، أو ما يحوزه من حطام الدنيا، بل نتحرّى ونسأل صاحب الشأن، و نظن بالمنقول عنه الخبر كل خير، تأمّل هذا النص القرآني (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا وقالوا هذا إفك مبين) (النور:12) .

ومن لطف الله سبحانه بعباده الصادقين، الذين انساقوا وراء الخبر، وليس لهم هدف الإساءة لرسول -الله صلى الله عليه وسلم- - في أهل بيته، أو أن يبطنوا النفاق- أن الله سبحانه وتعالى عفا عنهم، مع ما تسبب هذا الخبر من الألم والوجع للبيت الطاهر الشريف، ولكن هي رحمة الله بعباده الذين يتوبون، إذا أذنبوا، مع تذكيرهم بعدم العودة لمثل هذا، وهو الانسياق وراء الأخبار الملفقة، التي تسيء للمؤمنين، تأمّلْ روعة العبارة في هذا السياق القرآني (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين) [النور:17] . هل لاحظت الشرط في الآية؟ (...إن كنتم مؤمنين) فإذا تحقق الإيمان صدق العبد في توبته مهما كان الذنب

إلى اللقاء في الحلقة القادمة ... إن شاء الله

ضَوْء من الحجرات(7)

عبد الله العيادة 8/4/1427

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

ولا يزال الحديث موصولًا عن ذلك المقطع الذي يُعدّ بحق وثيقة ودستورًا للأمة المسلمة، وهو هام جدًا، خاصة في هذا الزمن، وهو كيفية التعامل مع الأخبار والأحداث والأنباء المنقولة سواء نقلًا فرديًا أو جماعيًا؛ فقد ينقل لك أحدهم خبرًا، وقد تستمع إلى خبر عبر وسيلة ناقلة.

لذلك جعل القرآن للمسلم ضابطًا شرعيًا في التعامل مع هذه الأنباء، سواء كان يخص فردًا أو جماعة، وهو التريّث والتثبّت والتأكّد من هويّة هذا الناقل، وهويّة الخبر، وفي الآية ملمح رائع وهو الرفع من العقلية المسلمة في التحليل والاستنباط والتدقيق لمعرفة مدى صدق وواقعية الخبر؛ لأنه - للأسف- هناك كثير من أفراد الأمة عندما يسمعون خبرًا، يلغون هذا الجارحة العظيمة التي مُنحت لهم من الخالق سبحانه وتعالى، وينساقون وراء الخبر المنقول، دون التثبّت أو التروي، مع تعطيل منافذ التفكير عندهم، ولو تأمّل الواحد منهم لوجد أنه يملك خاصية التحليل والاستنباط (فتبيّنوا، وفي قراءة، فتثبّتوا.. ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت