ولا يخفى في هذا العصر، أن السباق للخبر المعلن، والصراع اليوم، صراع يُدار حسب ما يُبَثّ من أنباء، تُصاغ فيها العقول المتلقية، ليقبلوا بعد ذلك أي تصرف ينتج عن هذه الأنباء التي بُثّت عبر الأثير، ويكفيك دليلًا ما تصنعه الآلة الإعلامية الغربية، وخاصة الأمريكية، لتسوّغ ما تريد عمله بعد ذلك، ومع الأسف المحرق للفؤاد، نجد أن كثيرًا من الحكومات الإسلامية تتيح المساحات الهائلة عبر إعلامها لتسويق ما يبثه الإعلام الغربي، فتساهم -عرفت أم لم تعرف- في تجهيل الشعوب المسلمة، وإبعادها عن الجرح الذي لايزال ينزف من جسد الأمة، لتقبل بعد ذلك هذه البربرية والهمجية الأمريكية، على أنها حق، مع العلم أنها طغت على شريعة الغاب، التي يسلب فيها القوي حياة الضعيف، لمجرد أنه أقوى منه ليس إلا،(ولا ننسى ذلك الحوار الذي دار بين ذلك الأرنب وشبل ذلك الأسد الذي لم يعرف تفاصيل الحياة إلا ما تلقاه من والده، وذلك عندما لحق بالأرنب، فقال الأرنب: بعدما أجهده الركض والهرب ماذا تريد مني؟ فقال الشبل بكل صفاقة: لابد أن آكلك!! فقال الأرنب: ولكن لم أصنع لك شيئًا لتنهي حياتي بهذه السهولة؟ فقال الشبل: هكذا علمني أبي؟ أن آكل من أقدر عليه، وأنا أقدر عليك!!
فقال الأرنب: فقط لأنك أقوى مني؟ وأنا أضعف منك تأكلني؟ فلم يجب الشبل!!).
تأمّلوا الدم الفلسطيني، والدم الشيشاني، والدم الأفغاني، والدم العراقي، لتبرز لكم حكاية هذا الشبل مع الأرنب.
أعود للحديث، وهو التريّث، والتفكير الهادئ، عندما تدلهم الخطوب، ويجب ألاّ ننساق وراء الزوابع المهلكة، فلن تحيا الأمة إلاّ إذا عرفت كيف تفكر بنفسها هي، لتعرف مقدار ما تملك من قوة كامنة في ثنايا دينها، الذي لو استغلته بشكله الصحيح، وكما أمر ربها سبحانه وتعالى: فذلك كفيل بأن يجعلها تسود العالم أجمع كما كانت في صدورها الأُول.
لو نتأمل الآية التي في نهاية المقطع الماضي، وهذه الآية الجديدة، نجد أن السياق انتقل نقلة نوعية على خط آخر، ومطلب آخر، قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) [الحجرات: 7] . سبحان من يعلم خلجات القلوب، وما توسوس به الأنفس، وما تدّخر من الخطرات.
ولأن لكل نفس رغبات تتمنى تحقيقها، مع ملاحظة أنه لا منتهى لطمعها، فهي لو تُركت على سجيّتها، وفُتح لها الباب على مصراعيه، وقيل لها اطلبي ما شئت، أو افعلي ما أردت، فطمعها هنا بحر لا ساحل له.. فلوا أطاع الناس رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فيما يريدون فكيف ستكون النتيجة، على هذه القاعدة التي ذكرنا وهي حب الذات؟
لذلك الله -سبحانه وتعالى- ذكّرنا فضله علينا، مع الإشارة إلى ملمح، خفيّ قد يغفل عنه كثير من الناس، وهي سيطرته سبحانه على القلوب، وبالتالي سيطرته على الخطرات التي أُودعت في هذه القلوب، التي لا يعلم بها إلا صاحب القلب، فهو المتحكم فيها، سبحانه وتعالى، فأخبرنا سبحانه، بأنه تفضّل علينا، بأن جعل غريزة حب الإيمان في قلوبنا، من أجل أن نضع رغباتنا النفسية والدنيوية جانبًا، ونجعل الإيمان يؤطرها، وبالتالي نقدم التضحيات لهذا الدين؛ لأن لأتباعه رسالة عظيمة تنتظرهم، أكبر وأسمى من الرغبات الشخصية، ولذلك لزم ترسيخ هذه المعاني الرائعة، وهو التجرّد من هوى النفس، وتقديم التضحيات، وتغليب مصلحة الجماعة على المصلحة الفردية، وللوصول إلى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] فمتى نؤثر الآخرين..؟ حتى ولو كنا بأمس الحاجة، وبنا خصاصة؟ كما هي الأمة اليوم، بأمس الحاجة إلى تقديم مصلحتها العليا على المصالح الفرية، وأنت ترى اليوم الدول الإسلامية كل دولة تغلب مصلحتها الفردية على المصلحة العامة للأمة الإسلامية عامة، فحين غاب مؤشر الإيمان، أزلنا جدار التضحية، فسقط على رؤوسنا، فصرنا كقطيع الخراف، في ليلة مطيرة، والذئب يسوقها إلى حتفها، وهي تدري، أو لا تدري، وكلا الأمرين عظيم، وعلى الرغم من ذلك تبتسم؟
لو تكرمت: أعد قراءة الآية مرة أخرى، مع تأملها.
والحديث متصل والنهر العذب متدفق، في هذه الرحلة مع كتاب الله، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) . [فصلت: 42] ، عبر هذه السورة الكريمة الاجتماعية، التي تحمل بين آياتها أروع القيم وأحكمها، التي لو استوعبها البشر وطبقوها لحطّت السعادة رحالها في ديارهم، فيه قيم نادرة ومثالية، صالحة لكل زمان ومكان، ولكل جنس من البشر؛ لأن المهم التطبيق الصادق لها، والمؤمن هنا هو أحق بها من غيره، ولكن إذا غفل المؤمن عنها أو استبدل بها قيمًا مستوردة، من صنع عقول بشرية يعتريها الخلل والخبال، لا يستغرب ما تكون النتيجة.