فهرس الكتاب

الصفحة 17531 من 27345

وها نحن ننتقل أيضًا، من زهرة إلى زهرة، ومن وردة إلى أخرى. ألوان مختلفة، وطعم مختلف، ومذاق يجعل النفس تعلو في همتها، وهذه حال من كان القرآن ربيع قلبه، فالربيع من سماته تفتح الزهور واخضرار الأشجار (وكلام ربنا سبحانه وتعالى ربيع وظلال وارفة، فأين السالكون لدروبه، المتنعّمون بحروفه، الناهلون من معينة الذي لا ينضب، ولكن مطايانا تقصر دون بلوغ منتهاه، كيف لا وهو كلام رب الأرض والسماء، أعذب كلام، وأصدق قول، وأجود إحكام، نعود بالحديث إلى قاعدة لم تستطع العقول البشرية رسمها، ومع الأسف الشديد ألقت الأمة بهذه القاعدة على قارعة الطريق، فصارت نهبًا للخلافات التي عصفت بها، فتاهت وسط الضياع، فتسلط الأعداء عليها، فلا نلوم إلا أنفسنا.

ينتقل السياق القرآني نقلة نوعية في الخطاب، ولكنه مكمل لما قبله، وهو الصلح، تأمل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) الخطاب خاص هنا للمؤمنين، يوجههم سبحانه، لرفع معنويات فئة من الناس، آمنوا به سبحانه، ولكن ليس لقيم اجتماعية، حسب أعراف القبيلة الجاهلية، التي لا تعترف إلا بالأسياد، حتى ولو كانوا أجهل الجاهلين، ومن عتاة المشركين، وكل إمكانياتهم أنهم وُلدوا من أبوين ينتميان إلى طائفة الأسياد فقط (!؟) وإن جهلوا -ليس إلا- فالإسلام أبطل هذا، وجعل الإيمان هو الفيصل، فمن أخذه أخذ بحظ وافر, من الرفعة والسيادة -رغم أنوف الأسياد- والحكم هنا، هو القادر المتصرف بشؤون الكون؛ إذ حكمه لا رادّ له، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . بالله عليكم هل يوجد عدل مثل هذا..؟ فهو سبحانه جعل التقوى، مقياسًا للكرامة عنده سبحانه وتعالى، وجعلها متاحة للجميع دون عوائق، فأين نحن عنها؟ لذلك خاطب المؤمنين بهذا الخطاب، وهو أن الأمة الإسلامية المؤمنة لها دور ريادي على مسرح الحياة، لذا يجب أن تزيل عن كاهلها أوساخ الجاهلية وتفاهتها، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"دعوها فإنها منتنة"، وإنه لا يوجد في الأمة شيء اسمه الدم المقدس والدم العادي"كلكم لآدم وآدم من تراب"فالجميع في ميزان الإسلام والإيمان واحد، فمن دخل في حديقته، يقف في الصف، جنبًا إلى جنب، مع أخيه المسلم، الذي سبقه، بغض النظر عن الهوية والقبيلة، واللون والموطن، فبلال العبد الحبشي، يقف بجوار أبي بكر الصديق، وصهيب الرومي، يقف بجوار الفاروق، وعبد الملك بن مروان الأموي القرشي الخليفة، يجلس بين يدي عطاء بن أبي رباح، إذًا الأمة لا يمكن أن يكون لها شأن، إلا بهذا، لأن الطاقات والعقول والهمم ليس لها هوية معينة، فالله سبحانه وتعالى، يمنحها لمن يشاء من خلقه، لحكمة يعلمها هو سبحانه، لذلك ينبهنا سبحانه، إلى قاعدة عظيمة مهمة، وهي الاتحاد في الكلمة، لتكون القوة والمنعة، ولا يكون الاتحاد إلا بإزالة التفرقة العنصرية، فقد يكون العبد أو الفقير الذي نظنه حقيرًا ذا بأس أو ذا رأي سديد، فنعمة الرأي والشجاعة والذكاء ليست ملكًا للأسياد فقط، أو وظيفة نمنحها لأبنائنا، إذًا الإسلام لا يقيم وزنًا إلا لعُرى الإيمان فقط، وتأمل الملمح البديع في الآية لمن يفطن له، وهو أنك أيها السيد الشريف الذي تملأ الدنيا ضجيجًا وتحتقر غيرك؛ لأنك وُلدت من السادة -هذه مميزاتك فقط- قد يكون من تحتقر خير منك عند الله، وهذا هو الفيصل والغاية في هذه المعادلة، وهو الهدف الذي تُشدّ إليه -والله- المطايا، لذلك نهانا سبحانه وتعالى، أن يسخر قوم من قوم (لا يسخر قوم من قوم) . هذه وحدة متكاملة في التوجيه، ثم يعقبها سبحانه في جملة اعتراضية - (عسى أن يكونوا خيرًا منهم) - فمن يدري؟ الله سبحانه يدري، فهو الخبير سبحانه، يعلم خفايا الأنفس ونبضات القلوب. ومن أجمل اللفتات في صدر هذه الآية، أن الخطاب يشترك فيه الرجال والنساء؛ لأن مجالس النساء، كثيرًا ما يحدث فيها هذا التباهي والتفاخر، ويغفلن كثيرًا عن مساحة الإيمان، التي تعمر قلوب الأخريات اللاتي قد يكنّ خيرًا منهن عند الله، فهوّنوا عليكم أيها الساخرون المتهكّمون المحتقرون لعباد الله (إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) [الإسراء: 37] ثم تأمّلوا، ما هي بدايتكم؟ وكيف ستكون نهايتكم؟ فمن يتدبر..؟

إلى اللقاء في الحلقة القادمة، إن شاء الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت