يعد هذا النوع أكثر أنواع التناول الموضوعي تطورًا وإضافة؛ فهو لا يتتبع كلمة قرآنية ليستنبط دلالاتها، ولا يعرض لموضوع قرآني فيجمع آياته ويربط بينها. كما أنه لا ينظر للسورة القرآنية الواحدة كوحدة موضوعية بالبحث عن مقصدها الأكبر الذي تدور عليه، وإنما يضيف إلى عنايته بالوحدة الموضوعية لكل سورة البحث عن آفاق العلاقة بما يجاورها من سور، فينظر في فواتح السور وخواتيمها ويربط بينها مجتمعة تارة ومتفرقة تارة أخرى جامعًا بين موضوعات السور ما استقام له الجمع، بحيث تبدو سور الكتاب وقد التقت معانيها ومقاصدها كدائرة اتصل كل مبتدأ فيها بمختتمها» (23) .
وقد عني بهذا التناول كوكبة من علماء التفسير فكتب فيه السيوطي (أسرار التنزيل) (24) ، و (نتائج الفكر في تناسب السور) الذي عدَّل تسميته إلى (تناسق الدرر في تناسب السور) (25) ، وهو (أسرار ترتيب القرآن) ، وكتب أبو الفضل الغُماري (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) ، وانبثّ ذلك في عملي البقاعي (نظم الدرر) ، و (مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور) .
وعرض الشاطبي لذلك النوع من التناول الموضوعي في القرآن فقال: «والمدني من السور ينبغي أن يكون منزلًا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في النزول.
والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء؛ وذلك إنما يكون ببيان مجمل أو تخصيص عموم أو تقييد مطلق أو تفصيل ما لم يفصّل أو تكميل ما لم يظهر تكميله.
وأول شاهد على هذا أصل الشريعة نفسها؛ فإنها جاءت مصححة لما أُفسد من ملة إبراهيم عليه السلام، ثم نزلت فيها سورة الأنعام مبيّنة لقواعد العقائد وأصول الدين من أول إثبات الربوبية إلى إثبات الإمامة. ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أول ما نزل سورة البقرة التي قررت قواعد التقوى المبنية على سورة الأنعام؛ فبيّنت العبادات والعادات والمعاملات والجنايات وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فكان غيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبنيًا عليها، كما كان غير سورة الأنعام من السور المكية مبنيًا عليها، وإذا نظرت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القُذة بالقذة، فلا يغيبن عنك هذا المعنى فإنه من أسرار علوم التفسير» (26) .
فعلى الناظر في القرآن لفهم معناه: التوسط والاعتدال بالجمع بين فهم اللسان الذي جاء به وهو العربية، وفهم معاني ما تركّب من الكلام؛ فإن كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة وإنما التفقه في المُعَبّر عنه والمراد به، كما يعلم أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات.
فلا محيص للمتفهم عن التعلق بأول الكلام وآخره ليحصل له المقصود منه، فإن فرّق النظر لم يتوصل إلى المراد، ولا يصح تفريق النظر إلا في موطن واحد وهو النظر في فهم الظاهر من ذلك الموطن بحسب ما يقتضيه اللسان العربي، فإذا صح له الظاهر رجع به إلى الكلام كله فبدا له مقصود المتكلم منه (27) .
ثم الكتاب ـ بعد كل ما تقدم ـ مبني على مقاصد منها الجواهر. وأعلاها: العلم الأشرف الذي تُراد كل العلوم له، ولا يُراد هو لغيره، وهو علم معرفة الذات الإلهية وما يليق بجلالها من صفات وأفعال، ثم علم الآخرة المشتمل على معرفة الصراط والمآل، ومنها الدرر، ويمثلها: بيان ما ينجّي من الأقوال والأعمال.
وسر الكتاب حاصل في دعوة العباد إلى ربهم المعبود، ولذلك انحصرت سوره في ستة أنواع: ثلاثة مهمة؛ تناولت معرفة الله ـ تعالى ـ والصراط والمآل، وثلاثة مُتمة؛ تناولت أحوال الأولياء والأعداء وسبل الطاعة.
وانشعبت علومه إلى: علوم اللباب وهي قصص القرآن، ومحاجَّة الكفار ومنه انشعب علم الكلام لرد البدع والضلالات، وعلم الحدود ومنه انشعب علم الفقه، وعلوم الصرف وهي علوم اللغة والنحو والقراءات والتفسير، فهذه مجامع العلم التي تنشعب من القرآن ومراتبها (28) .
(1) مباحث في التفسير الموضوعي، الدكتور مسلم، ص 23 بتصرف.
(2) الأشباه والنظائر، البلخلي، 188.
(3) مباحث في التفسير الموضوعي، الدكتور مسلم، ص 20.
(4) إصلاح الوجوه والنظائر، الدامغاني، 167، وبعدها طبعة دار العلم للملايين.
(5) السُرْقَة: بضم السين وسكون الراء وفتح الفاء دودة القز، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، 1508، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1415هـ.
(6) هي قراءة الحسن البصري، انظر: تفسير ابن كثير، 2/498، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1407هـ.
(7) المفردات في غريب القرآن، الراغب، 19، وانظر: آل عمران 113، طبعة دار الفكر، بيروت.
(8، 9) مباحث في التفسير الموضوعي، الدكتور مسلم، ص 27 ـ 28 بتصرف.
(10) الإمام محمد عبده ومنهجه، الدكتور عبد الغفار، ص 222 ـ 224.