فهرس الكتاب

الصفحة 17656 من 27345

يقول الشاطبي (791 هـ) في الموافقات: «اعتبار جهة النظم في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر؛ فالاقتصار على بعضها غير مفيد للمقصود منها، كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها. فسورة البقرة مثلًا كلام واحد باعتبار النظم وإن احتوت على أنواع من الكلام بحسب ما ثبت فيها؛ فمنها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب، ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم، ومنها ما هو المقصود في الإنزال وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب. ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت، وما أشبه ذلك، ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام فيه يَبِين ما تقدم: فقوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] إلى قوله ـ تعالى ـ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187] كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى، وحاصله: بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه وقضائه وسائر ما يتعلق به من الجلائل التي لا بد منها ولا ينبني إلا عليها» (15) .

وعلى ذلك فإن اعتبار جهة النظم في السورة الواحدة لا تتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر، وكذا في الآية، فسورة البقرة كلام واحد باعتبار النظم وإن احتوى على أنواع من الكلام، وسورة الكوثر نازلة في قضية واحدة، وسورة العلق نازلة في قضيتين: الأولى: حتى قوله: {عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، والأخرى: بقية السورة، وسورة المؤمنون المكية نازلة في قضية واحدة وهي: الدعاء إلى عبادة الله تعالى؛ وإن اشتملت على ما قرره القرآن المكي في معانيه الثلاث: تقرير الوحدانية، وتقرير النبوة، وإثبات المعاد. ومن أراد الاختبار في سائر سور القرآن فالباب مفتوح (16) .

ويدل البقاعي (ت 885 هـ) على مناسبات القرآن واتصاله بالوحدة الموضوعية في السورة القرآنية الواحدة فيقول: «فعلم مناسبات القرآن: علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المقال لمقتضى الحال. وتتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها» (17) .

وليس من شك في أن لكل سورة شخصيتها المستقلة وأهدافها الواضحة؛ فمن المعلوم أن السور المكية قد عرضت أسس العقيدة الإسلامية الثلاثة بشكل مفصل: الألوهية، والرسالة، والبعث بعد الموت. ويمكن للباحث أن يتناول من كل سورة مكية أحد الأسس الثلاثة بجانب اشتمال الكثير منها على أمهات الأخلاق والتنفير من مرذولها، في حين تشتمل السور المدنية على الكليات الشرعية، وتُحيل إلى الحوار وإقامة البرهان وتفنيد مزاعم المعارضين وأهل الكتاب وفضح المنافقين (18) .

ولقد ظفر هذا التناول الموضوعي للقرآن بعناية أكابر الأقدمين، فوردت في تفاسيرهم إشارات إلى بعض أهداف السور، خاصة القصير منها، ووردت لطائف تَوخَّوْا من خلالها أوجه المناسبة بين مقاطع بعض السور كما فعل الفخر الرازي 606 هـ في تفسيره الكبير (19) ، وابن قيم الجوزية 751 هـ في (التفسير القيم) الذي جمعه: محمد أويس الندوي.

يقول محمد أحمد السنباطي: عن منهج ابن القيم في التفسير: «يظهر أن الأساس الأول لمنهج ابن قيم الجوزية يتمثل في إبراز الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، وهي التي نزلت السورة لها، وتعد أساسًا لفهم آياتها؛ بحيث ترى أن كل جزء من السورة يبدو خادمًا ومخدومًا فيها» (20) .

كما تمثل هذا التناول بوضوح في تفسير: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) للبرهان البقاعي وكتاب (مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور) وفيه يقول البقاعي: «إن من عرف المراد من اسم السورة عرف مقصودها، ومن حقق المقصود منها عرف تناسب آيها وقصصها وجميع أجزائها... فإن كل سورة لها مقصد واحد يدار عليه أولها وآخرها ويستدل عليه فيها؛ فترتب المقدمات الدالة عليه على أكمل وجه وأبدع منهج، وإذا كان فيها شيء يحتاج دليلًا استدل عليه. وهكذا في دليل الدليل وهلم جرًا» (21) .

تتبع العلاقات ويضرب المثال على ذلك فيقول: «سورة آل عمران مقصودها التوحيد لذلك بُدئت به وخٍُتمت بما بُنيَ عليه من الصبر وما معه من التقوى، وسورة مريم مقصودها شمول الرحمة ففُتحت بذكر الرحمة وخُتمت بأن كل من كان على نهج الخضوع لله يجعل له وُدّا ثم كُرِّر الوصف بالرحمن فيها تكريرًا يلائم مقصودها» (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت