أما الحديث منها فلا تكاد تنتهي موضوعاته؛ إذ كلما جدّت صنوف المعارف جدّ البحاثة من أهل العلم في استشراف هدايات القرآن بحثًا عن التوجيهات الربانية في هذا الشأن سواء ما تعلق منها بالكون في أرضه وسمائه، أو بالإنسان في خلقه وتكوينه وغرائزه وعقله وأخلاقه، أو بالحياة الاجتماعية وأخذ العبر من سير الأقوام والأمم الماضية، أو بالعلاقات الدولية وأمور الاقتصاد والسياسة وأنظمة الحرب والسلم، أو حتى ما يتعلق بأحوال الغيب.
ومن قواعد المنهجية العلمية الصحيحة لهذا النوع من التناول خاصة، أن يتجنب الباحث الإسرائيليات والروايات الضعيفة والقصص والتاريخ، ويُعنى بشرح الكلمات الغريبة وتوجيه القراءات وإبراز النكت البلاغية التي تعرض له أثناء البحث وذلك في الحاشية.
وأن يحافظ في وعي على تسلسل أفكار بحثه، وتعانق فقراته، وسلاسة أسلوبه، وإشراقة بيانه؛ فإن عمله إنما يدور حول أشرف الكلام وهو كلام رب العالمين.
وقد عُني بذلك المنهج لفيف من أهل العلم من أمثال: الدكتور عبد الغني الراجحي في كتابه: (المناهج الجديدة) ، والدكتور محمد البهي في كتابه: (نحو القرآن) (10) ، والدكتور محمد محمود حجازي في رسالته للدكتوراه المعنونة بـ «الوحدة الموضوعية في القرآن» وفيها يقول: «قد عرفنا أن القرآن نزل منجمًا، وكل وحدة في النزول ضُمت لأخواتها في مجموعة واحدة [السورة القرآنية] ، هذه الوحدة إذا ضمت إلى وحدات أخرى لم تكن كالوحدة الحسابية إذا ضمت إلى زميلتها؛ وإنما هي وحدة ضمت إلى وحدة كما يضم العضو في الجسم إلى العضو الآخر» (11) ثم يقول: «وأعجب العجب أن هذه الوحدة التي نزلت في موضوع خاص إذا أخذتها وضممتها إلى الوحدات الأخرى التي نزلت في هذا الموضوع نفسه لرأيت العجب تماسكًا وتكاملًا وارتباطًا ووحدة في الموضوع» (12) ، وقدّم صورة لهذه الوحدة الموضوعية عند كلامه على سورة المائدة، فقال بعد عرضه لموضوعية السورة: «أرأيت أن الوحدة الموضوعية لم تتم إلا بضميمة كل ما ذكر من آيات في السور كلها، وهذا ما نريد أن نصل إليه. فنقول: لا يمكن تحقق كمال الوحدة الموضوعية بالنسبة لكل سورة فيها الموضوع على انفراد، وها نحن عرفنا أن سورة المائدة كغيرها من السور اشتملت على عدة موضوعات لا تعطينا وحدة كاملة إلا إذا ضم لها ما ذكر في غيرها. وكل ما ذكر في السور الأخرى له وجهان: وجه اتفاق ووجه اتحاد يتعاونان في تكوين موضوع واحد يتكامل مع بقية أجزائه المذكورة في السور الأخرى» (13) .
تتبع السورة
القرآن الكريم كتاب هداية ربانية تُمثل آخر اتصال بين وحي السماء وأهل الأرض، لكونه الكتاب الإلهي الخاتم المرشد إلى الصحيح في الاعتقاد والخير في السلوك؛ فلا غرو أن تكون طريقته في التأليف مغايرة لما أَلِفه الناس، فليست سُوَره مجرد فصول من كتاب بحيث تستقل كل سورة عن غيرها، وإنما طريقة القرآن ككتاب هداية تستلزم أن يسلك طرقًا عديدة يدخل منها إلى النفس، وكما أن الهدايات تجتمع في القرآن بتمامه فإن هذه الهدايات منبثة أيضًا في سوره بصورة تجل عن الوصف، يراها من ينعم النظر فيها، فيجد لكل سورة وحدة تجتمع حولها آياتها وإن تعددت موضوعاتها، ويحس فيها روحًا تسري بين أجزائها، ووشائج تربط بينها، ومقصدًا يجمعها.
وهذا النوع من الدراسة هو الذي يميز التناول الثالث للتفسير الموضوعي، فدائرته تحيط بالسورة القرآنية الواحدة، وتتجلى مهمة الباحث في الكشف عن الهدف الجامع الذي تدور حوله السورة، وطريقته: أن يستوعب الباحث أهداف السورة المنبثة في أسباب نزولها وترتيبها ومكيها ومدنيها وأسمائها وعدد آيها ومقاصدها الفرعية وأساليب عرضها والمناسبات بين مقاطعها (14) .
فالسورة في مجملها كلٌّ لا تنفصم عراه وطائفة ملتئمة من الآيات لا تحتمل تقطيعها، وإنما النظر إليها يكون في كلها لا في بعضها، ولا تتم الفائدة إلا باعتبارها كيانًا حيًا واحدًا، وهو ما يرتب على إدراك مقصدها النظر إليها كلها واستيفاء معانيها بتمامها.