الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة
ولا تأخذكم بهما رافة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"."
ولما كان الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا أشد أنواع الاعتداء على الحقوق
فالشرك اعتداء على حق الله تعالى
والقتل اعتداء على حق الآخرين في الحياة
والزنا اعتداء على الشرف والكرامة والنسل
كان الهلاك للمشركين في الدنيا والنار لهم في الآخرة"قال: أما من ظلم فسوف نعذبه ، ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نُكرا"
وكان القَوَد من القاتل الظالم في الدنيا والخلود في النار"ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا"
وكان الحد رجمًا حتى القتل للزاني المحصن ، ومن نجا في الدنيا فأمره إلى الله في الآخرة ، أما عقوبة الزاني غير المحصن فمئة جلدة كماذكرت آية الجلد في أول سورة النور كما ذكرنا آنفًا وتغريب سنة.
ومن ثّم يأتي دور التوبة والإيمان والعمل الصالح الذي يقرب غفران الله تعالى ، ويقلب السيئات حسنات . وهذا فضل من الله تعالى على المؤمن التائب"إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفورًا رحيما ً"
ولعل التبديل يكون في الدنيا ويكون في الآخرة .. فأما في الدنيا فإن الله يبدلهم الإيمان من الشرك والإحصان من الفجور ، والرشاد من الفساد . وأما في الآخرة فنرى الحسنة مكان السيئة والرضا مكان السخط ، والعفو مكان العقوبة . ألم يقل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم موضحًا معنى الآية السابقة:"وأتْبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخُلثق حسن"اللهم اجعلنا ممن ترضى عنهم فتبدل سيئاتنا حسنات ، وتكرمنا بفضلك ومنك يارب ... وتعال معي نقرأ هذا الحديث الشريف الذي يوزن بميزان الذهب ، بل بالنور والضياء ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي ذر:
"أني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنّة ، وآخر أهل النار خروجًا منها ، رجلٌ يُؤتى به يوم القيامة ، فيُقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، وارفعوا عنه كبارَها . فتُعرض عليه صغارُ ذنوبه ، فيُقال: عملتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا ، فيقول: نعم . لا يستطيع أن ينكر ، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تُعرَض عليه . فيُقال له: فإن لك مكانَ كل سيئة حسنةً . فيقول: يارب عملتُ أشياء لا أراها ههنا ،،فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، فقال أبو طويل - رجل من كندة -: يا رسول الله ، أرأيتَ رجلًا عمل الذنوبَ كلها ولم يترك منها شيئًا ، وهو في ذلك لم يترك حاجّةً ولا داجّةً - يعني قطع الطريق على الحجاج - إلا اقتطعها ، فهل له من توبة ؟ قال"هل أسلمتَ"قال: أنا أشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنك عبد الله ورسوله . قال:"نعم ، تفعل الخيرات ، وتترك السيئات ، يجعلهن الله كلَّهن خيرات"قال: وغَدَراتي وفجَراتي يا نبي الله ؟! قال"نعم"قال: الله أكبر ! فما زال يكررها حتى توارى".
قال عثمان كاتب هذا المقال ، راجي عفو ربه:
ياربِّ سبحانك أنت الإله الحقّ
للمسلم المذنبْ قولٌ لذاتك رقّ
من فضلك النارُ ولّتْ فلا دارُ
إلا رُبا الجنّه ْ فلوجهِك المِنّه
أرسلتَ هادينا يُهدي لنا دينا
نورٌ على نورِ بالخير منثورِ
فارفعْه مقدارا أعلى الورى دارا
صلى عليه اللهْ من فضله أولاهْ
9-والذين لا يشهدون الزور:
إن المسلم التقيّ من دخل في زمرة"عباد الرحمن"لا يحضر الكذب ولا الزور، فلا يشهدهما ، ولا يشاهدهما . قال تعالى".. واجتنبوا قول الزور". وجعله المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم من أكبر الكبائر"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر وكان متكئًا فجلس ، فقال: ألا وقول الزور ، ! فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت"وتكرار العبارة تنبيه إلى خطورتها ...
والزور من أشد أنواع الكذب - كما قال ابن العربي المالكيّ الأندلسي صاحب"العواصم من القواصم"والزور كما يقول العلماء: كل باطل زُوِّر وزُخرِف ، وأعظمُه الشرك وتعظيم الأنداد . وعلى هذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما: الزور أعياد المشركين . وقد حذر منه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام"من كثّر سوادَ قوم فهو منهم .".
من الزور القمار والملاهي التي تبعد عن الله تعالى وتوغر الصدور . والتغنّي بالشعر الفاحش .والشطط في القول الخارج عن الإيمان كقول ابن هانئ الأندلسي يمدح الخليفة الفاطمي:
ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهّارُ
فجعل له صفا ت لا تليق إلا بالله تعالى من وحدانية قدرة مطلقة في التصرف واستعلاء قاهر !! .
وكذلك المبالغة الممجة كقول الشاعر:
لا تغرّنّك الأشكال والصوَرُ تسعة أعشار من ترى بقر
وسمع أحد الشعراء هذا البيت فزاد المعنى حشفًا وسوء كيلة ً حين قال:
لا تغرّنّك الأشكال والصور فجُلّ من ترى بل كلهم بقر