وأعجب من ذلك ما أورده السيوطي منسوبًا إليه أنه"كان من دلالات حمل رسول الله أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة ، وقالت حمل برسول الله - ورب الكعبة - وهو إمام الدنيا وسراج أهلها ، ولم تبق كاهنة في قريش , ولا في قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبها , وانتزع علم الكهنة منها … وسرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات ، وكذلك أهل البحار" (2) .
ومن ذلك أيضًا الروايات التي وردت حول النزاع بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - والتي تبرز ابن عباس دائمًا على أنه صاحب الرأي السديد , وأن عليًا ما أحاطت به الشدائد إلا لمخالفته رأي ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ انظر مثلًا في رواية الطبري عن خروج عائشة ـ رضي الله عنها ـ إلى البصرة دون الكوفة , وفرح علي لذلك , فقال ابن عباس:"إن الذي سرك من ذلك ليسوؤني , إن الكوفة فسطاط فيه أعلام من أعلام الكوفة" (3) .
وعند التحكيم يقول - أي ابن عباس - قبح الله رأي أبي موسى ، حذرته وأمرته بالرأي فما عقل (4) ومثل قوله لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين ، أنت رجل شجاع لست بأرب الحرب ، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الحرب خدعة . . . ."أما والله لإن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود , ولأتركنهم في دبر الأرض , لا يعرفون ما كان في وجهها , في غير نقصان عليك ولا إثم . . . . . فقال علي: يابن عباس لست من هنياتك وهنيات معاوية في شيء (5) .
وقد يكون في هذه المرويات بعض الصحة ، ولكنها أخذت طابع المبالغة ، وعلى كل حال فإنه رغم الشكوك التي دارت حول بعض مرويات ابن عباس , وما لفقه أو نسبه له الوضاعون ، فإن ذلك لا يقلل من مكانته الريادية في هذا الفن .
خاصة وأن النقاد قد اتبعوا سلسلة رواته , فعدلوا بعضًا , وجرحوا بعضًا حتى يكون القارئ على بينة , وحتى لا يقف وقفة المرتاب تجاه مروياته , فقالوا مثلًا: طريق معاوية بن صالح عن علي بن طلحة عن ابن عباس من أجود الطرق عنه ، إذ اعتمد عليها البخاري , وكذلك ابن جرير الطبري , وابن أبي حاتم , وابن المنذر ومسلم.
وطريق عبد الملك بن جريج عن ابن عباس تحتاج إلى دقة في البحث ليعرف الصحيح منها والسقيم (6) .
وطريق الضحاك بن مزاحم الهلالي عن ابن عباس غير مرضية (7) .وطريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أوهى طرقه , فإذا انضم إلى ذلك محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب (8) .
هذا وقد تتلمذ على ابن عباس كثير من التابعين الذين كان لهم دور كبير في نمو وازدهار الدراسات التاريخية مثل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة , وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار , وعروة بن الزبير وغيرهم .
ولكن اشتهر من بين تلاميذ ابن عباس الذين سبق ذكرهم رجلان كان لهما عناية خاصة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحداث التاريخ الإسلامي في عصر الخلفاء الراشدين وهما: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام .
المصدر: إدارة الموقع
الهوامش:
(1) جلال الدين السيوطي الخصائص الكبرى جـ1 صـ100 تحقيق د / محمد خليل هراس - دار الكتب الحديثة
(2) المصدر السابق: جـ1 صـ 118
(3) الطبري جـ4 صـ 459
(4) المصدرالسابق: جـ5 صـ 71
(5) المصدرالسابق: حـ4 صـ 441
(6) السابق صـ85
(7) السابق صـ85
(8) السابق صـ87 وانظر كذلك فجر الإسلام أ / أحمد أمين صـ 203 .