سابعًا: لابد أن نعلم أن من أركان الإيمان: أن نؤمن بالقضاء، والقدر، خيره وشره، قال تعالى ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (الحديد:22) وعَنِ ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: كنت رَدِيفَ النبي -صلى الله عليه وسلم - فقال: ( يا غُلاَمُ أو يا غُلَيِّمُ أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهِنَّ ) ؟ فقلت: بَلَى . فقال: ( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إليه في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ وإذا سَأَلْتَ فسأل اللَّهَ وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قد جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هو كَائِنٌ فَلَوْ أن الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أن يَنْفَعُوكَ بشيء لم يَكْتُبْهُ الله عَلَيْكَ لم يَقْدِرُوا عليه وإن أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بشيء لم يَكْتُبْهُ الله عَلَيْكَ لم يَقْدِرُوا عليه وَاعْلَمْ أن في الصَّبْرِ على ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وأن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ وأن الْفَرَجَ مع الْكَرْبِ وان مع الْعُسْرِ يُسْرًا ) رواه أحمد (2804) .لذا ذكر العلماء أن أنواع الصبر ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله . مدارج السالكين 2/156
"ولهذا قال غير واحد من السلف، والصحابة، والتابعين لهم بإحسان، لا يبلغ الرجل حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالإيمان بالقدر والرضا بما قدره الله من المصائب، والتسليم لذلك هو من حقيقة الإيمان"ا.هـ منهاج السنة 3/26
هوِّن عليك فإن الأمو *** ر بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيُّها *** ولا قاصر عنك مأمورها
( من أعذب الشعر / 120 )
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:"إنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام، ومقامات الإيمان كلها، فقرنه بالصلاة، كقوله [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ] {البقرة:45} وقرنه بالأعمال الصالحة عموما، كقوله [إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] {هود:11} وجعله قرين التقوى، كقوله [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ] {يوسف:90} وجعله قرين الشكر، كقوله [ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] {إبراهيم:5} وجعله قرين الحق، كقوله [وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] {العصر:3} وجعله قرين الرحمة، كقوله [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالمَرْحَمَةِ] {البلد:17} وجعله قرين اليقين، كقوله [لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ] {السجدة:24} وجعله قرين الصدق، كقوله [وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ] {الأحزاب:35} وجعله سبب محبته، ومعيته، ونصره، وعونه، وحسن جزائه، ويكفي بعض ذلك شرفا وفضلا"ا.هـ عدة الصابرين /61 ولأهمية الصبر فقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعا .ا.هـ عدة الصابرين /57 مدارج السالكين 2/152رسالة في التوبة لابن تيمية /250 التحفة العراقية /54 طريق الهجرتين /400
قال الأبشيهي:"فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأمنى المواهب، لما أمر الله تعالى به رسله ذوي الحزم وسماهم بسبب صبرهم، أولى العزم وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم، وسؤالهم، ومنحهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم، فما أسعد من اهتدى بهداهم، واقتدى بهم، وإن قصر عن مداهم، وقيل العسر يعقبه اليسر، والشدة يعقبها الرخاء، والتعب يعقبه الراحة"ا.هـ المستطرف 2/149
ثامنًا: أن نعلم أن بعد العسر يسرا قال تعالى [فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا] {الشرح:6} وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طريق قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال: ( لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله ) . فتح الباري 8/712 وقال في تغليق التعليق 4/372"رواه عبد بن حميد من حديث ابن مسعود موقوفا بسند جيد"ا.هـ
قال ابن مسعود -رضي الله عنه-:"لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه"الطبراني في المعجم الكبير ( 9977 )
إذا ضاقت بك الدنيا *** ففكر في"ألم نشرح"
فعسر بين يسرين *** متى تذكرهما تفرح
وقيل:
أيها البائس صبرا *** إن بعد العسر يسرا
وقيل:
اصبر قليلا فبعد العسر تيسير *** وكل أمر له وقت وتدبير
فكم من رجل رأيناه باكيا *** فما دارت الأيام حتى تبسما
وهذه ليست بأول شدة تمر على البلاد، أو العباد، بل قد مر عليها غير ذلك، وكشفها الرحمن الرحيم
هي شدةٌ يأتي الرخاء عقيبها *** وأسى يبشر بالسرور العاجل
وقيل:
وكل شديدة نزلت بقوم ***سيأتي بعد شدتها الرخاء
وقيل: