فهرس الكتاب

الصفحة 17901 من 27345

?وهم يكنّون في أنفسهم العداوة والبغضاء، ويبدو ذلك في فلتات لسانهم، والمؤمنون يضمرون لهم الخير، ويظهرون لهم المودة، ويؤمنون بكتابهم، وهؤلاء يحملون في قرارة نفوسهم قابل ذلك كرهًا وحقدًا وغلًا.

? وهؤلاء بلغت بهم الخسة أنهم يظهرون بمظهر الود والموافقة للمؤمنين في إيمانهم وعقيدتهم، فإذا خلوا إلى أنفسهم أظهروا عداوتهم، وأكل الغيظ قلوبهم.. وهل يستحق أمثال هؤلاء إلا أن يموتوا بغيظهم .. إن الله عليم بخفايا صدورهم.

?وهؤلاء إن أصاب السلمين أدنى خير قتلهم الكيد، وإن أصاب المسلمين الشر طاروا من الفرح . أينبغي للمؤمنين أن يوادوا هؤلاء ويتخذوا منهم بطانتهم ؟!

?والآيات الكريمة تحذر الماضين والحاضرين من المؤمنين بأروع بيان، وأوضح دليل، وليس للمسلمين بعد هذا كله أن يخشوا شر هؤلاء، وحسب المسلمين الصبر والتقوى، فهما الدرعان اللذان يقيان كل عادية، ويدفعان كل كيد، فليس الله بغافل عنهم، ولا مهمل أمرهم، قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [120] [سورة آل عمران] .

مآل طاعة الكافرين الخسران: وقال الله تباركت أسماؤه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [149] بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [150] سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [151] [سورة آل عمران] .

? تؤكد الآيات: أن طاعة المؤمنين للكافرين من ورائها الارتداد إلى الكفر، والانقلاب إلى الخسارة في الدنيا والآخرة، وليس للمؤمنين أن يحسبوا للكافرين حسابًا مهما عظم أمرهم، واشتد سلطانهم، ذلك أن للمؤمنين في نصر الله ما هو حسبهم، ولهم في عون الله جل شأن ما يكفيهم عن عون كل ما سواه.

? وكأن سائلًا يسأل، فيقول: كيف يتم عون الله، وكيف ينزل نصره إذا اشتد الخطب واحلولك الظلام؟

وتجيب الآية الكريمة إجابة مصدرة بنون العظمة، ويتحول الخطاب من الغيبة إلى الحضور ليسمع المؤمن كلام ربه جل شأنه ليس بينه وبينه حجاب، وليستيقن المؤمن أن الأمر واقع ليس له دافع، قال تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ كلمة تدوي في الكون كله يشهدها الكون، ويشهد بها كل ذي عقل .. قلوب الكافرين ممتلئة رعبًا، وقلوب المؤمنين تحيط بها السكينة، وتحفها الرحمة، وإن حرب الأمر، وأحاط الأعداء من كل جانب.

وليس مثال هذا الوعد لمؤمني اليوم، فليست القلوب هي تلك القلوب وليس الرجال هم أولئك الرجال .. لقد خالفوا عن أمره جل ثناؤه، ولقد قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [63] { [سورة النور] .

? وكأني بسائل يقول: كيف يلقى الرعب في قلوب الأعداء، وهم غالبون محصنون متمكنون؟

وتجيب الآية الكريمة، فتقول: بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا . وهكذا تكشف الآية الكريمة عن حقيقة نفسية، وقاعدة اجتماعية: الجماعة الجاحدة لله، المشتركة بالله ما لم ينزل به سلطانًا هي جماعة تكون أفرادها تكونًا غير سيلم، ونشأوا نشأة غير صحيحة، وهي جماعة غير متزنة، وغير سالمة من الآفات النفسية والعيوب الاجتماعية، ذلك أن المبادئ التي تقوم عليها، والمناهج التي تنتهجها ليست المناهج التي تصلح لفطرتها، وليست بالذي يقوم أمرها. أوضحت الآية الكريمة طابع مثل هذه الجماعة، وكشفت عن خاصتها، طابعها الرعب وخاصتها الجبن.

? وإن هذا المعنى ليشاهد في كل جولة تتم بين المؤمنين، وأعدائهم حين يكون للمؤمنين نصيب يسير من صفاتهم الأولى.. إن الفضائل الكاملة: من اعتدال واتزان، وإقدام في مواطن الإقدام، كل هذه ليست إلا لذوي الأمزجة المعتدلة، والعقول الراجحة، والأذواق السليمة التي آمنت بأن لهذا الكون إلهًا لا يصح أن يعبد سواه.

? والمشكلة الكبرى التي نواجهها اليوم فتنة كثير من أبنائنا بالمدنية الغربية، كيف يمكن أن يصدق على هؤلاء ـ الذين بلغوا ما بلغوا من معرفة بالكون وسننه في النواحي الكونية والنفسية والاجتماعية واستطاعوا بذلك خدمة الإنسانية وتخفيف آلامها ـ قوله تعالى:يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [7] [سورة الروم] .

? كيف يصدق عليهم أنهم ذوو قلوب مريضة، وشخصيات ضعيفة، وعقول هزيلة، يملأ الرعب جنباتها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت