فهرس الكتاب

الصفحة 17939 من 27345

وأغفى الملك وهو يداعب ذكر ذلك الظفر، ويطوي سمعه على ضجيج جيشه الذي يحبه ويعتز به، ويود لو أن هذا الجيش قصر عزمه وبأسه على قتال الإسبان ولم يسيء إلى البطولة بحربه الإخوة المسلمين.. ورأى الملك في منامه كأن هذا النشيد المدوي الذي نام عليه قد قوي واستفاض، حتى رجعت أصلاد إشبيلية صليله وعزيفه، وعظم أرعاد تلك الطبول حتى أوشك أن يهز سريره بين جدران قصره، وخالطه صراخ وضوضاء، ففتح عينيه وأفاق مرتجفًا، وأصاخ فسرعان ما أدر: أنه العدو قد طرق المدينة، وإنهم فرسان البربر الذين قلبوا له ظهر المجان، فتخلوا عن ظهورهم حيال الإسبان، وأقبلوا عليه إقبال الذئاب الكواسر.. أولئك هم الذين كانت تؤنسه أصواتهم، فيطوي عليها سمعه حين أغفى.

وتلفت حوله فلم يجد إلا حرس القصر، وما كان حرس القصر رجال حرب، ولا فرسان ضراب؛ وأحس بالخطر، ورأى أنه قد كاد يفقد كل شيء. ولكنه لم يفقد الشرف ولا الشجاعة ولا النبل:

إن يسلب القوم العدى * * * ملكي وتسلمني الجموع

فالقلب بين ضلوعه * * * لم تسلم القلب الضلوع

لم أستلب شرف الطباع أيسـ * * * ـلب الشرف الرفيع

ولا يزال سيفه في يديه، فخرج به وما عليه إلا غلالة رقيقة، لم يمهلوه حتى الألبسة ويدّرع.

وأراد حرسه وأهله أن يجنبوه هذا الهلاك الأكيد، وأن يحسنوا له الموادعة حتى تنكسر حدة الهجوم، وتمكن البادرة:

قالوا الخضوع سياسة * * * فليبد منك لهم خضوع

وبرزت ليس سوى القميص * * * عن الحشا شيء دفوع

فأبت له مروءته وحميته، ونفس تعاف العار حتى كأنما هو الكفر يوم الروع، أو دونه الكفر، وأبت له ذكريات نص ومواريث الجدود...

وألذ من طعم الخضوع * * * على فمي السم النقيع

أمن الموت يفر وقد كان يتعشّقه ويطلبه ويسعى إليه، ولا يفكر إذا خرج للقائه في أهل ولا والد.

ما سرت قط إلى القتال * * * وكان من أملي الرجوع

شيم الأولى أنا منهم * * * والأصل تتبعه الفروع

ولكنه كأنه يريدها موتًا شريفًا نقيًا كالفتاة المكنونة في الحجاب، لم تدنسها نظرات الإثم ولم تعلق بجمالها الريب، وكان يهوى لقائه الملحمة الحمراء.

فيلحقه فيفر منه وأرى ويتأبى عليه! أما هذا الموت الذي يقبل عليه في غرفته اللص، ويلقاه في ضيق الدهاليز لا في رحب الميدان، وفي سدفة الليل لا في سفر النهار، ويريده في غلالة الشاعر لا في درع البطل، فهو لا يطلبه ولا يحبه، بل لقد أحنقه ذلك عليه ،وملأ صدره غيظًا منه، وكرهًا له، حتى نذر لئن واجه الموت هذه الليلة ليقتلن الموت!

ولئن هو لم يقتل الموت، فلقد أحيا لمملكته الحياة، ولقد وفى نذره فرد هذه الغاشية التي اقتحمت علي حصنه، على حين غفلة من أهله.

وضوّأ النهار إشبيلية، وهي مقسمة الفؤاد بين فرح بالنصر، وجزع من لخطر، وكان جند الملك الأشاوس قد وقفوا للدفاع عنها، لا يفتؤون كلما سمعوا همة ريح، أو هدير نهر، أو صفير طائر، أو نبأة خفية بيم الأرض والسماء، يثبون إلى سيوفهم، يتطلعون أبدًا إلى الطرق، من فرط تشوقهم للقاء هذا الخصم المغير، الذي كان بالأمس الحليف النصير... فإذا لم يروا أحدًا، رجعوا إلى مسالحهم، يقظين مترقبين. وكانت الحصون حول البلد وفي أطراف المملكة، محشودًا فيها الجند من كل كمي كأن قلبه من ثباته جلمد الصفا، وكان في أكبرها وأمنعها. شبلا ذلك الأسد، وفرعا تلك الدوحة الكريمة الباسقة، الراضي بالله والمعتد بالله، ولدا المعتمد بن عباد.

وكان عصر ذلك اليوم وأهل إشبيلية لا يزالون يتغنون بأثرة الملك الفارس، وقد فترت يقظة الجند حين توالى الأمان، واطمأنوا إلى بعد العدو، فاستراحوا قليلًا بعد هذه الليلة الجاهدة؛ في تلك الساعة صرخ النذير، كما ينفخ في الصور، فتجمع العسكر المكدود على عجل، وصدمتهم فرسان البربر، من جهة البر، ومن الوادي، صدمة تحط الصخر من ذراه، ولكنهم وجدوا المعتمد أثبت من الصخر، وأيقظ من الصقر، فارتدوا بعدما فعلوا بالمدينة فعل الزلزال.

واستراحت إشبيلية أيامًا، ثم جاء يوم الواقعة!؟

وفي يوم الأحد 20 رجب سنة 484 هـ ارتجت إشبيلية بأضخم جيش وطئ ثراها، جيش أمير المسلمين ابن تاشفين، الذي حشد له من غطارفة المرابطين كل بطل غَشَمشَم يقوده ابن أخيه، كبش القوم وفارسهم، سير بن أبي بكر، وجمع له فيه من قبائل البربر جنا مقاتلة، كأنهم من طول ما ألفوا الخيل، قد ولدوا على ظهورها، بعدة لهم ضخمة وعديد، فسدوا مطلع الشمس، وحطوا على البلد حط الجراد، وطوقوه تطويق القيد، وانضم إليهم فرسان الثغور، ثم أطبقوا على ابن عباد كالسيل الآتي الدفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت