فهرس الكتاب

الصفحة 17940 من 27345

أثار المعتمد في نفوس جنده حميتهم وكبرياءهم، وأنشدهم أبرع أناشيد البطولة، ولون لهم الموت بأجمل الألوان، وعرض عليهم تحاسين المجد وتهاويله، فتبتوا وجاؤوا من فنون القتال بأعجبها وأشرفها، وناضل الملك البطل حتى لم يبق مناضل، وضارب حتى تحطمت في يده السيوف، ودافع حتى استنفذ آخر نقطة من القوة البشرية التي أودعها الله فيه، ثم سقط مغسلا بدماء جراحه، وتحطم السد فانطلق السيل… ونفضت قصور الملك من غيدها وكنوزها، فعادت أطلالًا… وهوة الصرح الذي أقامه النبل والحزم والكرم الغر البهاليل بنو عباد.

إن البطل الحق لا يستهويه الظفر حتى يستخفه، ولا تعزه الهزيمة حتى تسحقه، بل يتلقاها بعزم وجلد وفؤاد ثابت، وكذلك فعل المعتمد فلم تذل نفسه، ولم يضرع، ولم يتهافت. بل تلقى قضاء الله تلقي المؤمن… وكتب إلى ولديه يستنزلهما من حصنيهما، حين قسره الغالبون فلم يجد إلا ذاك، وكتبت السيدة الكبرى أمهما، وكانا في حصنين أمنع من النجم. تهاوت الحصون وهما ثابتان… ولكن ماذا ينفع حصنان، وقد باد الملك، وماد العرش، وساد المرابطون.

فلما أطاعا ونزلا قتل الراضي على باب حصنه، واستصفى مال أخيه وترك على شر حال، ثم اقتيد المعتمد وأهله مجردين من الأموال، مقيدين بالقيود الثقال، ليلقوا ما قدر عليهم في صحراء المغرب.

كان إذا خرج موكب المعتد أطلت عليه كل فتاة في حمص (حمص المغرب هي إشبيلية وتدعى الجنة) تختزن صورته لتزين بها أجمل رؤاها، وأحلى أحلامها، وتطلع إليه كل شاب ينقش رسمه على شفاف قلبه ليجعله مثلًا له في المعالي، وملأ عينه منه كل أندلسي، لأنهم كانوا يحسون أنه عز لهم وفخر، وأنه حبيب إلى قلب كل أندلسي، وإن عاد مظفرًا قاموا على طريقه يرشقونه بأجمل أزهار الجنة.

أما اليوم فقد خرجوا بغير ورد ولا زهر. خرجوا وما أعدوا إلا عيونًا تبكي لو استطاعت بدل الدمع دمًا، وقلوبًا تفديها بحبّاتها لو كانت تملك الفداء، وجرى النهر ذلك اليوم متطامنًا خافت الخرير، ولا يصخب ولا يهدر، كأنه هو الآخر قد أحس بالألأم:

والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا * * * من لؤلؤ صافيات فوق أزباد

وكانوا ساكتين قد عقدت الذهلة ألسنتهم. وأمسكت الأحزان وسيوف المرابطين أفواههم، حتى الأطفال لم يكن فيهم من يصرخ أو يبكي، حتى إذا قُدمت بنات الملك الأسير يجرهم جند من البربر جرّ الشياه إلى المسلخ وقد:

حط الفناع فلم تستر مخدرة * * * ومزقت أوجه تمزيق أبراد

أوجه تزري بالأقمار، وأجسام ألطف من الياسمين الغض، وأرق من شعاع البدر على البحرية الصافية في ليلة غرام. ثم طلع الملك لا تاج على رأسه، ولا سيف في يده، ولا ولاء يخفق على هامته، ولا جند من حوله يفدونه بالأرواح، ويبذلون دونه حر الدماء؛ بل حوله جند من البربر، وفي يديه قيود ثقال، وما عليه إلا أطمار - تفجرت الأحزان مدامع، وانشقت القلوب صرخات، وتحركوا لنصرة الملك، ولكن البربر كانوا خلالهم ومن فوقهم ومن تحتهم…

حان الوداع فضجت كل صارخة * * * وصارخ من مفداة ومن فادي

ووضعوا الملك في السفينة، ومن حوله نساءه وبناته مقرونات بالحبال، مطرقات كاسرات الطرف، تلوح قطرات دموعهن في ضياء الشمس كالآلي:

حموا حريمهم حتى إذا غلبوا * * * سيقوا على نسق في حبل مقتاد

ورفع الملك رأسه ونظر إلى جنده، وانتزع من آلامه ابتسامة لاحت على شفتيه كما تلوح خيوط الشمس لحظة، خلال السحاب، في يوم غائم، وحاول أن يقول فضاع صوته في عويل الناي، وصخب البربر، وأراد أن يشير بيده التي طالما هز بها أعواد منبر، وطالما أشار بها إلى ظفر. فحركت إليه الكتائب السود، وطالما أغنى بها فقيرًا، وفك أسيرًا، وأجاز شاعرًا، وفعل بها المكرمات؛ أراد أن يشير بها فأثقلها حديد القيود، فأحنى رأيه وأطرق و…

سارت سفائنهم والنوح يتبعها * * * وكأنها إبل يحدو بها الحادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت