فهرس الكتاب

الصفحة 17971 من 27345

لنترك الآن ظاهرة دمار الحياة الأسرية، وضياع المرأة، وتحوّلها إلى آلية للمتعة الصرفة أو الربح السريع، وهوانها على نفسها وعلى الآخرين، فهذه مسألة معروفة تمامًا. ولنقف لحظات عند اثنتين من الهجمات المضادة الأكثر حداثة: ندرة المواليد وتعرض ديموغرافية الغرب للانكماش، ووباء الإيدز الذي يهدّد بافتراس الرجال والنساء معًا ممن تجاوزوا الإشارات الحمراء التي ركزت في فطرتهم، وانحدروا في تيار الشهوة، ومالوا بالإنسان الميل العظيم الذي حذّر منه كتاب الله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء:27] ومن بين التقارير والبحوث والتحذيرات العديدة التي كتبت عن المسألة الأولى أكتفي بهذا التقرير الذي أعلنته وكالة (رويتر) في واشنطن والذي ينطوي على دلالته الواضحة في هذا المجال:"اذا كان السيد بن واتنبيرغ على حق، فإن النساء اللائي يفضلن الاهتمام بعملهن أكثر من إنجاب الأطفال، سيكن السبب في فصم عُرى المجتمع الصناعي الغربي".

ان المشكلة - في تحليله - تتمثل في تناقض منتظم في معدل المواليد في الدول الصناعية الغربية، الأمر الذي يمكن أن يقوّض هذه المجتمعات (وإذا لم يتغير هذا الاتجاه فسينتهي أمرنا) .. وما أراه جديرًا بالاهتمام لدرجة كبيرة هو مدى نقص وعي الناس به بالرغم من أهميته واستمراره لفترة طويلة للغاية.. إن كندا وأوروبا الغربية واليابان واستراليا ونيوزيلندا و (إسرائيل) وايسلندا تعاني كلها من مشكلة ندرة المواليد، وتحتاج إلى اتباع سياسات تحفز السكان على الإنجاب. أما عن الولايات المتحدة فيقول مكتب التعداد:

إن (65) طفلًا فقط ولدوا لكل (1.000) امرأة في سن الإنجاب عام 1986، وهو أدنى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة، وقد تناقص معدل الخصوبة فيها من مستوى عال سُجل

سنة 1957 م، وبلغ (3.77) ليصل إلى أقل من (2.1) عام 1972، وهو المستوى الضروري ليبقى عدد السكان ثابتًا. ومنذ ذلك الحين ومعدل المواليد حول رقم (1.8) ، ويقول (واتنبيرغ) الذي يكتب عن الاتجاهات السكانية منذ (25) عامًا، وأصدر كتابًا بعنوان"ندرة المواليد": (أمامنا في الغرب جيل واحد لنفهم المشكلة أولًا ثم نعكس هذا الانهيار الاختياري في معدلات الخصوبة، وإلاّ فسوف ندفع الثمن.. وأيا كان التحليل الصحيح لأثر الظاهرة فبالنظر إلى الانفجار السكاني المستمر في معدل المواليد في العالم الثالث، فربما يمثل سكان دول الغرب 9% فقط من سكان العالم عام 2025 بالمقارنة مع 15% في الوقت الحاضر، و 22% في 1950. ويعزو الخبراء تناقص معدلات الخصوبة في الغرب إلى مجموعة من الأسباب المختلفة، منها: تزايد عدد النساء العاملات خارج البيت، وتناقص معدلات الزواج، وارتفاع معدلات الطلاق .. وتوافر وسائل أفضل لمنع الحمل وإباحة الإجهاض ... ومن بين الدول المتقدمة فإن الحكومة الفرنسية هي الأكثر نشاطًا في تشجيع الإنجاب حتى إنها تنشر إعلانات تحمل صورة طفل كُتب تحتها: فرنسا تحتاج إلى أطفال"."

أما غزو الإيدز (أو مرض فقدان المناعة المكتسبة) فالحديث عنه يطول وموجة الموت والتآكل والفناء تنداح بسرعة رهيبة في ديار الغرب لكي تأتي على حشود الرجال والنساء الذين جرفتهم الشهوات، واندفعوا فيما وراء حافات الإشباع باتجاه بؤر الإسراف والشذوذ.

الإحصائيات كثيرة، وهي تزداد كمًا يومًا بعد يوم .. إحداها تذكر أن المصابين في البرازيل وحدها عام 1992 تجاوزوا الربع مليون، وإن هذا العدد آخذ في الازدياد بمعدلات سريعة، وثمة باحثون في الحكومة الأمريكية ذكروا لصحيفة نقباء الأطباء الأمريكية في

عام 1991 أن نسبة النساء بين مرضى الإيدز في الولايات المتحدة قد زاد على عشرة في المائة. فقد ارتفعت النسبة هناك من 6.6 % في عام 1985 إلى 11.5 % في عام 1990 م، وكان من بين مرضى الإيدز المسجلين مع نهاية عام 1990 والذين بلغ عددهم (158279) شخصًا، 10% أو 15492 من النساء. وقد أصيب 51 % من النساء نتيجة المشاركة في الحقن بالوريد عند تعاطي المخدرات، بينما أصيب 29 % منهن بالمرض عن طريق المعاشرة الجنسية.

وثمة هجوم مضاد من محور آخر، لتطويق الشطط والانحراف الذي قاد الحياة الغربية في قضية المرأة والأسرة إلى الميل العظيم، بقوة التنطير والادعاءات العلمية، ويتمثل هذا الهجوم بسلسلة من البحوث والكشوف العلمية التي تناولت أحد أدعياء النبوة الكاذبين. (سيكموند فرويد) صاحب النظريات المعروفة في (التحليل النفسي) .

هاهو ذا فرويد الذي مارس لأكثر من نصف القرن في ديار الغرب والشرق معًا دور (العرّاب) الذي برّر وبارك كل صيغ الانفلات والشذوذ في المسألة الجنسية وقضية المرأة والأسرة عمومًا .. هاهو ذا يتعرض منذ عقود عديدة، وأحيانا من تلامذته أنفسهم، لسهام النقد العلمي الذي كاد يأتي على نظرياته، في جل حلقاتها الأساسية، من القواعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت