هاهنا يطول الحديث ويمكن - من ثم - الاكتفاء بشاهد واحد أكثر حداثة يتمثل بتلك البحوث (السيكولوجية) التي أنجزها البروفيسور (هانز ايزينك) على مدى ثلاثين عامًا، وكان آخرها كتابه الموسوم بـ (تدهور وسقوط الإمبراطورية الفرويدية) الذي يُعدّ الضربة القاضية للتحليل النفسي.
ولقد أوضح (ايزينك) في بحوثه كافة، وفي كتابه الأخير -على وجه الخصوص- أن العلاج النفسي المبني على التحليل النفسي لاينطوي على قيمة تُذكر، وأن فرويد لم يكن عبقرية علمية، بل عبقرية اتقنت فنون الدعاية وأساليبها، وأنه كان يتميز بمقدرة لغوية كبيرة أعانته على نحت مفردات ومصطلحات جذابة مثل (عقدة أوديب) أو (مبدأ المتعة) وهذه بدورها جعلت من سرده الجديد لقصة قديمة جذابًا ومثيرًا ، وبخاصة لأولئك الذين يفتقرون إلى معرفة علمية في موضوع علم النفس.
إن ما كان جديدًا في أعمال فرويد - والرأي للبروفيسور ايزينك - لم يكن حقيقيًا، وما كان حقيقيًا لم يكن جديدًا، وإن فكر فرويد لايتضمن شيئًا سوى تفسيرات خيالية لأحداث زائفة وإخفاقات علاجية ونظريات لامنطقية، واستعارات فاضحة غير معترف بها (واستبصارات) خاطئة.
ويقدم كتاب ايزينك طروحات قيمة مثل تأكيده على أهمية علم الوراثة في السلوك، وهو الدور الذي حاول التحليل النفسي إغفاله .. باختصار شديد فإن عشاق فرويد - في التحليل النهائي لقناعات ايزينك - هم ضحايا الدعاية وتضليل الذات.
ومن بعد فرويد جاء دور الوجودية الإلحادية التي كان سقوطها هذه المرة بصيغة دراماتيكية على يد مؤسسها نفسه (جان بول سارتر) عبر لقائه الأخير مع عشيقته (سيمنو دو بوفوار) في نيسان عام 1980 م، وإذ كان للوجودية دورها هي الأخرى في تأكيد"الميل العظيم"في علاقات الرجل بالمرأة، وتبريرها باسم ضرورات التحقق الذاتي وحرية
الاختيار، فإن لنا أن نتصور كيف كان انهيارها بمثابة هجوم آخر من الهجمات التي تستهدف المعطيات المضادة للفطرة، والتي تطلّ دائمًا من تحت الأتربة والأنقاض لكي تعيد للحياة البشرية ألقها المنطمس وتوازنها المفقود.
وفي هذا السياق نفسه يمكن اعتبار سقوط الماركسية وعودة النبض الديني إلى الحياة الغربية ضربة أخرى لدعاة الميل العظيم وأنبيائه الكذبة، وتنظيراته الشاملة، ودعوة ملحة للعودة إلى الطهر والنظافة والاحتشام التي تليق بكرامة الإنسان وتفرده على الخلائق، وتنسجم مع مطالب الحياة البشرية المتوحدة الآمنة.
ففي غياب الدافع الديني لن يقوم - بحال من الاحوال - مجتمع نظيف متوازن مستقر، وبانهيار هذا الدافع يجيء الزهري والإيدز فيأكلان الاخضر واليابس، ولايأمن الزوج على زوجته، ولا هذه على زوجها .. ويتكاثر أولاد الحرام فلاتكاد تستوعبهم المحاضن والملاجئ، ويصير الفعل الجنسي المحرم نزوة عابرة يتحتم إطفاؤها سريعًا كما يشرب الإنسان العطشان كاسًا من الماء، فيما قالت به يومًا تنظيرات الماركسية البائدة في بدايات تشكل الاتحاد السوفياتي المنحلّ على يد عالم النفس الماركسي المعروف (ولهلم رايخ) فيما دفع (لينين) نفسه بعد سنتين فحسب، إلى أن ينهض محتجًا ويدعو إلى الاحتشام والتعفف واحترام قوانين العائلة، وإلاّ أصبح الجيل التالي من الروس وأتباعهم كله من أولاد الحرام!!