فهرس الكتاب

الصفحة 18171 من 27345

وكذلك كان الأمر بالنسبة لفرويد مه أدلرويونج، فقد قالا بأن العامل الجنسي ليس هو المصدر الأوحد للتصرف الإنساني ولكنه واحد من عوامل كثيرة منها تأكيد الذات ومركب النقص، ولكن دعوى التحدي بالجنس وحده كمصدر لتصرفات الإنسان هي التي شاعت وذاعت.

ونحن نجد النظرية تسقط اليوم سقوطًا علميًا شديدًا، ولكن أصحاب الفلسفة المادية يحاولون تمديدها بربطها بالماركسية من ناحية، وبالدعوة إلى ما يطلق عليه الثورة الجنسية وبربطها بالوجودية وهذا ما سنتحدث عنه بعد.

ثانيًا: سارتر:

إن أي نظرية يتقدم بها فيلسوف أو مصلح تتمثل فيها حقائق هامة:

أولًا: إن هذه النظرية هي فرضية افترضها هذا الفيلسوف بناء على نظرته إلى الأمور.

ثانيًا: إنها نظرية تتصل اتصالًا تامًا بالتحديات الخاصة بشخصية هذا الفيلسوف وبيئته وعصره ومجتمعه وظروف معينة قائمة.

ثالثًا: إن الإنسان على أعلى درجة من التفكير والنظر لا يستطيع أن يخرج عن أبعاد وجوده البشري والعقلي والنفسي ولا يستطيع أن يشرع للمجتمع الإنساني كله.

ومن ثم فإن كل ما يقدمه الفكر البشري هو فرض يقبل الخطأ والصواب، ويصلح لمجتمع ولا يصلح لآخر، وينفع في عصر ولا ينفع في جميع العصور، ولقد اعتورت النظريات والمناهج أسباب القصور وحل بها النقص واحتاجت إلى الإضافة والحذف على مدى قريب من ظهورها وذهب بعضها وأنطوى عجزًا وفسادًا وليس أدل على ذلك من ناحية أخرى على نحو يوحي بإنقاذ المراكب الغارقة، العصر الذي اضطربت وعجزت في بيئاتها الخاصة واضطرب أصحابها إلى تعديلها بالإضافة والحذف ومحاولة الربط بين الوجودية والماركسية من ناحية وبين الفرويدية والماركسية من ناحية أخرى على نحو يومي بإنقاذ المراكب الغارقة، وعلى بعد ما بين الأيديولوجيات الثلاث من تناقض واختلاف.

ونحن نعرف أن الوجودية"صيحة أزمة"تعالت في فرنسا بعد انهيارها في الحرب العالمية الثانية حين هوت تحت سنابك خيل الألمان صريعة الانحلال الخلقي. فجاءت الوجودية التي دعا إليها سارتر ليطلق للشباب أمر التهالك على الشهوات تحديًا للخطر الماحق الذي يعيش تحته العالم، وبعد أن أفقدت الحرب أمم أوروبا زهرة شبابها التي تجاوزت المائة مليون. ولقد كانت وجودية سارتر وجودية ملحدة نابعة من الفكر المادي وإن حاولت أن توجد للإنسان منطلقًا عاصفًا حيث جردته من مسئوليته الفردية وإلزامه الأخلاقي وأحالت ذلك كله على المجتمع.

ومن ثم أنطلقت تلك الصورة المدمرة في كل أنحاء العالم توحي بالتفكك والتحلل والتمزق والضياع. ولقد صدق جاك بيرك حين قال أن الوجودية ظاهرة زمنية عابرة لن يلبث الإنسان أن يتخطاها، وهي ليست روحًا"وأنا لا أستنتج منها نتيجة متشائمة بل واقعًا يجب أن يعترف به"وهي في تقديرنا علامة على دخول أزمة الإنسان المعاصر في مرحلة الانحدار، ودخول أوروبا والغرب والفكر الغربي كله مرحلة التمزق الذي فرضته عليه الفسلفة المادية التي قادها فلاسفة اليهود التلموديين، وإن كانت لا تخلو من تمثل أخطر ما أطلقته التعبيرات المسيحية حول نظرية"الخطيئة الأصلية"ذلك السوط الذي ما زال يلهب ظهور الفريقين ويسوقهم إلى الدمار النفسي.

ولا ريب أن فلسفة سارتر الوجودية الملحدة هي بديل"الإيمان"الذي عجز الغرب عن الحصول عليه عجزًا مطلقًا، ولا ريب أن البشرية حين انطلقت لترسم لنفسها طريقًا بعيدًا عن طريق الله فإنها ستظل تائهة في مضارب الصحراء، وما دام الإنسان قد شرع لنفسه ورفض الأسس التي قدرها الحق تبارك وتعالى لينظم المجتمع البشري فإنه ليس هناك قواعد ما يمكن أن تفرق بين الحق والباطل ذلك تداخلت أهواؤه ومطامعه وشهواته، وأصبحت الأمور كلها نسبية وليس لها ضوابط أو حدود أو قيم ثابتة راسخة تحاكم إليها، أو ليس هناك من نقطة بداية ونقطة نهاية وإنما يصبح الكون دائرًا في دوامة لا نهاية لها ولا غاية منها وقد جهل الإنسان سر وجوده وهدفه في الحياة ورسالته في الأرض ومسئوليته وجزاءه وحسابه وتلك هي الحيرة التي تذوب فيها البشرية نفسها اليوم بعد أن خالفت عن منهج الله. ومن ثم تصبح حياة الإنسا نليس بها طعم، حياة القلق والتمزق والألم والإحساس بالغثيان والضياع، ذلك أنها فقدت المعنى الذي وضعه الحق تبارك وتعالى لها، والذي هو سر الحياة نفسها، الأمل والإيمان والهدف والمسئولية والرسالة التي وجد الإنسان من أجلها في الحياة.

إن الوجودية تثور على مفاهيم سحق الإنسان التي تقدمها الماركسية ولكنها مع الأسف تسحق قلب الإنسان ولا تراه إلا من وجهة النظر المادية الصرفة: وهم حين ينكرون أن يصبح الإنسان ترسًا في آلة، يحيلونه إلى شعور بالضياع والفراغ، ويفرغونه من معناه الاجتماعي ويجعلونه أنانيًا لا هم له إلا مطامعه التي تقوده إليها غرائزه كالحيوان في الغابة.

ولا تزال الوجودية تدفع أهلها من قيد إلى قيد ومن تمزق إلى مزيد من التمزق نراه الآن في الهيبية والخنافس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت