فهرس الكتاب

الصفحة 18228 من 27345

هل يظن العبد أن الهداية سوف تطرق عليه بابه وتسأل عنه في مضجعه، كلا فالهداية يبحث عنها في مظانها في كتاب الله المشرق المغدق النير، في السنة المطهرة النقية المباركة ، في الصف الأول من بيوت الله حيث النفحات هناك والعناية واللطف ، في خلع أسمال الباطل ، في التبرء من المعتقدات الخاطئة، والشبهات المهلكة، والشهوات القاتلة، في العكوف على الوحي كتابًا وسنة ومدارسة وفهمًا وتدبرًا وعملًا ودعوة وجهادًا.

إن سلعة الله غالية لا يعرضها الباعة في أسواقهم، ولا ينادي عليها التجار في متاجرهم، إنها أغلي وأعلى من هذا الامتهان، إنها ثمينة يستاهلها من طلبها وحرص عليها وجاهد من أجلها، وبذل الغالي والرخيص لينالها، ودفع نومه وعرقه ودمعه وروحه ثمنًا لها، حينها تزف له أجمل ما تكون في أبهي حلل وأزهي لباس وأعظم تاج.

لما غير بلال بن رباح العبد الفقير نفسه واستقبل الهدي؛ توج بتاج مؤذن الإسلام ، وصاحب الرسول صلي الله عليه وسلم ، وضيف الرحمن في الفردوس.

ولما غير أبو جهل الوجيه المشهور ما في نفسه، وقلب بصيرته، وانسلخ من فطرته؛ أهين وأرغم أنفه، وذاق المذلة، وأدركه الخزي عاجلًا وآجلًا.

إن علي العبد أن يبدأ هو برحلة النجاة وهجرة الإنقاذ ، ويركب في سفينة الحق لئلا يدركه طوفان الغضب فيغرق مع من غرق من المردة الملعونين.

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )

هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم من المعتقدات والأقوال والأفعال والأحوال والأخلاق والآداب والسير، فهو يدل علي الأكمل والأحسن دائمًا، فكلما اشتبهت الأمور واختلطت الآراء وماجت القلوب ، جاء القرآن بهداه وستاه، فهدي إلى الأرشد، ودل على الأتقي والأسمي.

لماذا القرآن وحده يهدي للتي هي أقوم؛ لأنه من فوق، وكتب البشر من تحت، ولنه من السماء، ومذكرات العبيد من الأرض، ولأنه من رب العالمين، أما هي فمن الطين، ولأنه من عند الله، وآراهم من أفكارهم المضطربة وقلوبهم الزائغة، فالذي أنزل القرآن هو الخالق، والذي صن ما يعارضه مخلوق، وعظمة القرآن في أن من تكلم به أحكم الحاكمين، وأحسن الخالقين، وخالق الناس أجمعين، فكيف لا يكون كلامه فوق كل كلام، وهداه أعظم من كل هدي ؛ لأنه عليم خبير بصير، ومن سواه جاهل غبي إلا من اهتدي بهداه، فبقدر اهتداء العبد بهذا النور يحصل له من سداد الرأي ونور البصيرة على قدر ما بذل وطلب واستفاد.

فالقرآن يهدي للتي هي اقوم في المعتقدات، فهو يدعو للتوحيد الصحيح، والدين الخالص، والعبادة المعتدلة، وهو يهدي للتي أقوم في الحكم، من حيث العدل والإنصاف ، ومراعاة الحقوق، والبعد عن الظلم والهضم والقهر والاستبداد ) فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَق) وهو يهدي للتي هي أقوم في الأخلاق؛ فهو يدعو إلى طهر الضمير، وزكاء النفس، وسلامة الصدر، ونقاء اللسان ، وعفاف الخلق، ومكارم الصفات، وأشرف الآداب: )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) .

وهو يهدي للتي هي أقوم في البيع والشراء، وسائر العقود، وكافة المنافع ، فلا غش ولا غرر ولا نجش ولا ربا حيلة ولا خديعة ولا غبن ولا تدليس ) وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) .

وهو يهدي للتي هي أقوم في المعيشة والكسب والإنفاق والبذل، فلا إسراف ولا تقتير ، ولا ولا بذخ ولا شح ولا إمساك ولا تضييع )وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).

وهو يهدي للتي أقوم في الدعوة والإصلاح والتربية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا غلظة ولا فظاظة ولا مداهنة ولا تمييع، بل حكمة ولين ورفق ورشد وهدي: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )

وهو يهدي للتي هي اقوم في الآداب والفنون، فلا تعد على الحدود، ولا استخفاف بالقيم، ولا تلاعب بالمبادئ ولا جفاف وجمود وجحود ورهبانية، وإنما جمال لاحتشام، ومتعة بأدب، وذوق بعفاف، وحسن بالتزام: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) .

(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ )

واجب على من أقبل على الدين أن يقبل عليه بهمة وحرص، وان يبذل جهده في التمسك به وحمله بأمانة وإن تلقي الأمر بكسل وبرود برهان على موت الهمة ودناءة النفس، إن الضعيف مضطهد، وإن القيام بشعائر الدين على صورة من الترهل والهزال؛ دليل على عدم المحبة والاقتناع.

إن الصلاة المقبولة تحتاج إلى قوة في حضور القلب وخشوعه، واستحضار النية، ومحاربة الوسوسة وواردات النفس، وإن التلاوة الصحيحة تحتاج إلى قوة من حيث حسن التدبر وجميل التأثر ومدافعة الشرود، وإت الدعوة إلى الله تحتاج إلى قوة في جمال العرض، وبلاغة الوعظ، والإبداع في الخطاب، والصدق في النصيحة: ) وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت