فهرس الكتاب

الصفحة 18229 من 27345

إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف؛ لأن المؤمن القوي قوة للدين، وهيبة للملة، فعطاؤه أكثر ، ونفعه أوفر ، الكلمة القوية تهز القلب، وتهش لها النفس ، وتؤتي أكلها من الاستجابة والمتابعة ، وإن الحجة القوية تدفع الباطل وتدحض الشبهة، وإن الكتاب القوي يكسب الخلود والذيوع، والانتشار.

القوي يصمد في الأزمات ويثبت في المصائب، ويدافع عن مبادئه وينتصر لدينه، والضعيف يغلب عند أقل الحوادث ، وينهار في ميدان الكفاح، فيؤتي افسلام من قبله، ويدخل العدو من بوابته.

شبهة لا تردها قوة يقين تصبح كفرًا، وإلحاد لا يردعه إيمان يصير دينًا للمنحرفين ، وشهوة لا يدمغها قوة صبر تحول العبد إلى بهيمة وكسل.

ماذا ينفعنا مؤمن ضعيف كسول خامل؟ وماذا يجدي علينا جيل بائس محطم غارق في الشهوات؟ وهل يصنع النصر على أيدي جبناء أغبياء، وهل يصاغ النجاح بأماني كاذبة، ووعود خائبة، وظنون خداعة.

إن صلاة الفجر لا تدرك إلا بعزيمة ونشاط، وإلا انهزمت النفس تحت مطارق النوم والراحة؛ ولذلك صح أنه صلي الله عليه وسلم إذا سمع الصارخ وثب للصلاة ليلًا، بلفظ وثب لتعي مدلولها وسرها.

لقد استعاذ عليه الصلاة والسلام من العجز والكسل ، فالعجز في الإرادة، والكسل في الحرم، وهما مصدر كل فشل وإخفاق ، إن الله ثبط المنافقين لأنهم لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ونصر الله المجاهدين ؛ لأنهم صبروا وثبتوا وتقدموا، وهذه سنة مطرودة: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) .

يقول عمر بن الخطاب فاروق الإسلام: ( اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة) ، ففاجر مصابر وتقي منهار مصيبة؛ لأن الفاجر الفاتك النشيط شيطان مريد، والتقي الخامل العاجز المقصر؛ جبان رعديد ، والإسلام يريد رجلًا قويًا حازمًا بصيرًا:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن

لما يشق على السادات فعال

لا خامل جهلت كفاه ما بذلت

ولا جبان بغير السيف سأل

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتال

نريد عالمًا ربانيًا قويًا؛ لأن الضعيف يغلبه الوهم وينتصر عليه الظن، ولا يؤدي الأمانة كما هي، ونريد فقيهًا قويًا لأن الضعيف لا تمييز عنده، ولا برهان لديه، ولا فرقان يحمله.

ونريد مجاهدًا قويًا؛ لأن الضعيف مسحوق مخذول يؤتي الإسلام من قبله، فإذا اجتمع في العبد قوة وأمانة وتقوى وعزيمة ومراقبة وصرامة فهو الرجل حقًا: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) .

(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم)

تعظون الناس ولا تتعظون ، تنصحون الناس ولا تنتصحون ، تأمرون بالمعروف ولا تأتونه، وتنهون عن المنكر وترتكبونه، قولكم جميل، وفعلكم قبيح، النطق حسن، والفعل سيئ ، تزكزن الناس بكلامكم وأنفسكم مقفرة من البر، موحشة من الهدي، يستنير الناس بوعظكم الخلاب ونصحكم الجذاب ، وأنتم في ظلمة المعصية واقفون، وفي ليل الخطايا حائرون، إن من أعظم النكبات على دين الله إخفاق حملته ودعاته في العمل بتعاليمه، حينها يصبح فعل هؤلاء حجة قاطعة لكل مارق ، وبينه واضحة لكل منافق يرتكب المعصية ، بدليل فعل هؤلاء السيئ ، وترك الطاعة بدليل عمل هؤلاء الخاطئ ، فلا يثق الجهلة بنصوص الشرع، لأن أناسًا ممن يحملون هذه النصوص عطلوا العمل بها والاهتداء بهديها والانتفاع ببركتها.

الطبيب إذا تناول السم أمام المريض كيف يثق فيه المريض أو ينتفع بدوائه وعلاجه؟

وغير تقي يأمر الناس بالتقي

طبيب يداوي الناس وهو عليل

الخياط إذا مزق الثوب فقد مصداقيته في الخياطة ، النجار إذا كسر الباب خسر ثقة الناس في معرفته وحذقته، والدعاة إلى الحق والفضيلة إذا أهملوها وهجروها غسلت الأمة أيديها منهم، يصبح كلامهم الرنان رمادًا تذروه الرياح، يصبح وعظهم البليغ منقوشًا، تصبح كتاباتهم وتآليفهم ركامًا من الزيف والغش والبهرجة.

وحمل الرسالة بالذات أمناء على الملة، أوصياء على الجيل، حفاظ للمبادئ ، فأي عثرة منهم ثلم في جدار الشريعة ، وحرج في جسم الديانة.

إن الربانية في العلم والدعوة ليست عمائم كالأبراج، والأكمام كالإخراج، والفتاوى معلبة جاهزة ترضي أهل الشأن، ويكسب من ورائها الدرهم والدينار، والمنصب والعقار (( يؤتي بالرجل فيدور في النار فتندلق أقتابه كما يدور الحمار برحاه، فيقول أهل النار؛ مالك يا فلان؛ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ، قال: بلي ، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وانهاكم عن المنكر وآتيه، هكذا وصف المعصوم صلي الله عليه وسلم هذه الفئة ومصيرها عند الله عز وجل، وأحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، قارئ قرأ القرآن ولم يعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت