إن حفظ المتون، وجمع الفنون، وإلقاء الخطب الرنانة، والجلجلة بالمواعظ الطنانة، سهل يسير ، يجيده الجمع الغفير، ويقوم به الكثير، لكن تطبيق هذه التعاليم والعمل بها، وتنفيذ أوامرها ، واجتناب نواهيها، والصدق في حملها، ومراقبة الله في دلالتها أمر شاق صعب متعب لا يقوم به إلا ربانيون طهرت أرواحهم ، زكت أخلاقهم ، حسنت سيرتهم، وصفت سريرتهم:
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
أبدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
يا أيها الدعاة إلي المبادئ المقدسة، يا حملة الرسالة ويا أمناء الكلمة، لم تقولون ما لا تفعلون.؟! فقهاء في القول، جهلة في الفعل، أولياء على المنبر، عتاة في الميادين.
إن دمعة من خاشع اصدق من مائة خطبة من واعظ، وإن قطرة من شهيد أبلغ من مائة قصيدة حماسية من شاعر، وإن غضبه لله من عالم أوقع في القلوب من مائة درس في النهي عن المنكر.
إن أعظم ما يفعله صاحب الدعوة أن يكون سراجًا وهاجًا بعلمه وصدقة وإخلاصه وخلقه، إن فرعون قال: ) مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ويشهد الله أنه كاذب خبيث ماكر، والمنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله، فقال الله: ) وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) والرعديد الجبان يقول في غزوة تبوك: (( أئذن لى ولا تفتني ) )أي أخشي على نفسي الفتنة إذا غزوت الروم من فتنة النساء، فيقول الله: ) أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ).
إن مصيبة أحبار اليهود ومن شابههم من هذه الأمة أنهم تعجلوا ثواب علمهم في دنياهم الفانية الزهيدة، ارضوا الناس بسخط الله فطوعوا النصوص لشهواتهم ، ولووا أعناق الأدلة لأهوائهم، إن خدم الدليل مقاصدهم فهو ثابت محكم صريح، إن عارض الدليل أغراضهم فهو محتمل مؤول له وجوه وله معان أخري، إن وقعوا في ملذات الدنيا استدلوا بقوله: )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) إن تركوا الأمر والنهي والقيام لله ذكروا الحكمة والرفق واللين، إن سعوا للمناصب والجاه أوردوا قول يوسف عليه السلام: )قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) والله عز وجل لا يلعب عليه كما يلعب على الصبيان، ولا يخادع كما يخادع الولدان، فهو العالم بالسرائر ، المطلع على ما في الضمائر، العليم بالنيات، الخبير بالخفيات: )يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) .
ويلكم من الله: معكم كتاب من الله فيه الهدى والنور وأنتم تعلمون ما فيه فهلا زجركم علمكم بالكتاب عن فعلكم المشين؟! هلا أثر فيكم هذا الكتاب الذي تدرسونه لأن العالم بحجة الله ليس كالجاهل بها، والمطلع على شرع الله ليس كالغافل عنه.
إن العلماء إذا أعرضوا وفسدوا كانوا أكثر إساءة، واكبر معصية من الجاهل الغر الذي ما استضاء بالعلم.
فيا من تعلم العلم وتلقن الحكمة ثم اعرض عن العمل إنما أنت شاهد على نفسك، ساع في هلاكك؛ لأن المنتظر والمأمول من صاحب العلم تقواه لمولاه، وسعيه في رضا ربه ومحافظته على ما في الكتاب، ثم سألهم سؤال توبيخ وتبكيت فقال: ) أَفَلا تَعْقِلُونَ).
أين العقول السليمة ؟ أين الآراء السديدة؟ أخفقتم في النقل، أعرضتم عن الكتاب ، وفسدتم في العقل فعرضتم أنفسكم للعذاب، إن العاقل يدله عقله على الهدى ويجنبه الردي، وإن من اثر العذاب على الرجمة، والغواية على الرشد لفاسد العقل، سيئ التدبير، غائب الرشد، ولو كان محنكًا في أمور الدنيا، داهية في طرق السياسية ، ماهرًا في الكسب، ذكيًا في المعيشة.
(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)
كلمة (رَبَّكَ) إشعار بالرعاية، وسابق المنة، وقدم النعمة، فإن من رباك سيظهرك على من عاداك، ( وبالمرصاد) فيها من التخويف والتهويل ما يبهر الألباب، ويخلع النفوس، فهو سبحانه يخفي مكره عن أعدائه حتى يترصدهم فيأخذهم عى غرة، فإن عذابه بغته، وعقوبته فجأة، فخو بالمرصاد لأعدائه يبرمون وينكث ما أبرموا، يدبرون فيقتل ما دبروا، والراصد دائمًا أقدر على البطش من المكشوف لعدوه، لأن عنده من فنون الحيل وصنوف المباغتة وأنواع المداهمة ما يبطل على الخصم حيلة، ويعمي سبله ، ويظهر خلله.