فهرس الكتاب

الصفحة 18231 من 27345

وقل لي بربك: أي زلزال هذا التهديد لكل كافر رعديد إذا كان الله بالمرصاد ، لقد أمر الله عباده أن يقعدوا لأعدائه كل مرصد، وأخبر أنه أعد للجن المردة شهابًا رصدًا، لكن لما وصف نفسه الجليلة قال: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) وهذه الكلمة تصلح عنوانًا لكل موعظة، ينذر بها العصاة؛ لأنها عامة مخيفة مرعبة، فخو بالمرصاد لمن نقض العهد، وأخلف الوعد، وفجر في الخصومة، وخان الميثاق ، وهو بالمرصاد لمن ترك الطاعة، وارتكب المعصية، وتعدي الحدود، واقترف المحرمات، والله مرصد لأعدائه ويحبك لهم نهاية البؤس، وخاتمة الدمار وطريقة المصرع، وكيفية الأخذ ، فلا يلعب أحد على نفسه فينخدع بحلم الرحمن الرحيم، فإنه يمهل ولا يهمل ، وليعلم كل عبد أن ربه مطلع على أعماله، عالم بأحواله، بصير بمآله.

إن أحمق الناس من غرته نفسه، وخدعه هواه، وزين له الشيطان طريق المعصية حتى وقع في الفخ.

(قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)

ما اشد تنكر هذا الإنسان لربه، وما 'ظم جحوده لخالقه، خلقه ربه من العدم فشك في وجود ربه، واطعمه من جوع فشكر غيره، وأمده بالقوة فعصي بها مولاه، هذا الإنسان إن لم يهتد بهدي الله فهو كنود، يمرض فيشخع، فإذا شفاه ربه نسي وتكبر، يفتقر فيخضع، فإذا أغناه الإله طغي وبغي، يبتلي فينكسر ويدعو، فإذا عافاه خالقه تجبر وعتي، عنده آلاف النعم فيكتمها ويطلب غيرها، لديه مئات المواهب فيجحدها ويسأل سواها، ثقيل على الطاعة، خفيف إلى المعصية، بطي عند الأوامر، سريع عند المناهي، قدري في الطاعة ، جبري في المعصية ، يتلهف على المفقود، ولا يشكر الله على الموجود.

سماع الأغاني أخف عليه من سماع المثاني، سهرة لهو أحب إليه من ساعة مناجاة، رفقة البطالين اشهي لديه من صحبة الصالحين، يأكل الطعام ولا يشكر من أطعمه، ويشرب الشراب ولا يحمد من سقاه، النعم تغمره من كل مكان وهو في شرود ونسيان، خلقه ربه فعبد سواه، وأمره ونهاه فاتبع هواه، لو أهدي له مخلوق خميلة لشكرها، كل نعمة لديه من ربه قد كفرها، يحبر القصائد في مدح العبيد، ولا يمدح ذا العرش المجيد، يسطر المقامات في الثناء على المخلوق الهزيل، ولا يسطر مقامه في الثناء على العزيز الجليل، يقف على أبواب البخلاء، ولا يقف على باب رب الأرض والسماء، مع العلم أنه لا يصله منهم ذرة إلا بقدرة الملك الحق، وبمشيئة الغني الحميد، يمنحه رب المال، فيقول: إنما أوتيته على علم عندي، يوليه ربع قطعة من ارضه فيقول: أليس لى ملك هذه الأرض، بقوتي ملكت وبقدرتي حكمت، يهبه ربه قوة الأعضاء وصحة الجسم فيركض مغرورًا ويقترف الخطايا مسرورًا.

إذا كان له عند ربه مسألة ذل وتمسكن حتى ينالها، ثم يمر متكبرًا جاحدًا، إذا أصابته رزية بكي وشكي وتأوه، فإذا كشفها الله ذهب مختالًا فخورًا، إذا جاع انكسرت نفسه، فإذا شبع سهي ولها ولغي، يأكل بلا حمد، ويشرب بلا شكر، ويسكن بلا ثناء، وين\تنعم بلا اعتراف، يمن على ربه ركعات بلا خشوع، وتلاوة بلا تدبر، وصدقة بلا نية، ولا يحفظ لربه نعمة الحياة والرزق والمال والولد، والعينين البصيرتين، والأذنيين السميعتين ، والشفتين واللسان واليدين، والأنف والرجلين، تصب عليه النعم صبًا، وتنهمر عليه العطايا انهمارًا وهو لئيم مريد عنيد.

على من تلعب يا كفور، ومن تخادع يا مغرور، إن صلي سهي ، وإن قرأ لها، وإن تكلم لغا، يأخذ ولا يعطي ، يحفظ عدد النعم ووصفها ، وينسي شكرها والثناء على من أهداها، جماع مناع طماع، إن مرض حسب أيام المرض ولياليه وساعاته، وإن تعافي نسي شهور العافية وأعوامها، إذا أعطي درهمًا فهو مثل أحد عنده، وإن أعطاه ربع قنطارًا النبي صلي الله عليه وسلم ذهب فهو ذرة في ميزانه، إلا من آمن وشكر، واحسن وصبر، وأطاع وذكر.

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت