هذا اصدق مدح لربنا جل في علاه، فالله نور هذا العالم، فكل نور يشع فمن نوره جل في علاه، فالقلوب في ظلمة حتى يصلها نور توحيده، والبصائر معتمة حتى يطلع عليها نور هدايته، والعالم في دياجير الظلم حتى يشرق عليها نور ربه، فالنفس النيرة إنما استنارت بنور الله لما عرفت شرعه وأبصرت هذاه، والعقل النير إنما فتح عليه لما اصابه حظه من نور الله، والكلمة السديدة إنما حسنت وجملت لما اضاءت بنور ربها ، والفعل الحسن الراشد إنما صلح لأن الله وهبه من نوره، والمجتمع المستنير إنما استقام أمره لما أدركه نور من نور ربه ، فكل نور في العقول والنفوس والأفئدة فمن الملك الحق، فبنوره اشرقت السماء والأرض، وصلح أمر الدنيا والآخرة، واستقام الحال، وطاب المآل ، وكتبه سبحانه نور يبصر بها العمي، ويهدي بها الضلال، ويرشد بها أهل الغي، ورسله نور يبعثهم بالحق فينقذون بإذنه من الهلاك، ويردعون من الردى، وينجون من المعاطب، وصراطه المستقيم نور به يهتدي المهتدون، وعليه يسير العابدون، وفيه يسلك الصاقون، ومن أهل العلم من قال في قوله تعالي: )اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض) قال: منورهما يعني الشمس والقمر والكواكب ، ور تعارض، فكل نور معنوي، أو حي ظاهر أو باطن فمن لدن لحكيم الخبير جل في علاه.
فليطلب النور من عند الله فإن كل أرض لا يشرق عليها نوره فهي أرض ملعونة، وكل قلب لا يبصر نوره قلب غاو، وكل نفس لم تهتد بهداه نفس خاوية، العالم إذا لم يهبه الله من نوره صار عالم سوء، وصاحب زور، وحامل بهتان،والحاكم الذي حرمه الله نور غادر جبار، غشوم ظلوم ، وكل عبد حرم نور ربه فقد تم خسرانه وعظم حرمانه.
أعظم حصائص القرآن أنه نور؛ لأنه من عند الله جل في علاه، فهو الذي تكلم به وأوحاه، وفصل آياته، وأحكم بيناته: )ُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) ومحمد صلي الله عليه وسلم نور؛ لأن الله بعثه ووهبه من نوره وهداه بهداه )ُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) ومحمد صلي الله عليه وسلم نور؛ لأن الله بعثه ووهبه من نوره وهداه بهداه (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا).
وبقدر اهتداء العبد ومتابعته وصدقه في طاعته يمنحه ربه نورًا من نوره يبقي معه حتى يصل به إلى جنات النعيم.
والمؤمنون لما صدقوا في العمل بالكتاب واتباع الرسول صلي الله عليه وسلم جعل الله نورهم يسعي بين ايديهم جزاء وفاقًان ولما أعرض من أعرض من أعداء الله حرمهم الله ذلك النور فبقوا في الظلمات فما لهم من نور، فنور الفطرة مع نور الهداية، ونور الكتاب مع نور الرسول ، ونور البصيرة مع نور الحجة ) نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) .
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ )
فقدرة عظيم ، ووجه كريم، وفضله واسع، وجوده شامل، ولكن العباد ما قدروا الله حق قدره، خلق الخلق وتكفل بالرزق، وحفظ النفوس، واطلع على السرائر ، وعلم النيات، ولكن الناس ما قدروه حق قدره.
عفا وكفا وشفا، وشفا، علم وحلم وحكم، أغني وقني وأعطي، ساد وجاد وهو رفيع العماد، ولكن الخلق ما قدروه حق قدره.
الأرض جميعًا قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، والكون ذرة في ملكه، والخليقة فقيرة إليه، ولكنهم ما قدروا الله حق قدره.
من اشرك معه غيره، وعبد معه سواه، وادعي له ندًا، واخترع له مثيلًا، وجعل له شبيهًا، فما قدره حق قدره.
من أقسم بغيره، أو أعطي به وغدر، أو حلف به وفجر، وأخذ نعمه فما شكر، ونسيه وما ذكر ، فما قدروه حق قدره.
من تعدي حدوده، وارتكب محرماته، واستهزأ بىياته، وألحد في اسمائه وصفاته، فما قدره حق قدره.
من حارب أولياءه، وناصر أعداءه، وعصي أمره، وغمط بره، واستهان لعظمته، فما قدره حق قدره.
من أعرض عن كتابه، وشاق رسوله، وكذب بلقائه، وتهاون بوعده ووعيده، فما قدر الله حق قدره.
حق قدره أن يطاع فلا يعصي، ويذكر فلا ينسي، ويشكر فلا يكفر، ويحب حبًا يملك على العبد كل حركة فيه.
حق قدره أن يفوض الأمر إليه، ويتوكل عليه، ويرضي بحكمه ، ويستسلم له، وينقاد لأموامره، ويذعن لقضائه.
حق قدره أن لا يخالف، ولا يحارب، ولا يمثل، ولا يشبه، ولا يكيف، ولا تضرب به الأمثال، وتصرف لغيره الأعمال.
حق قدره ان يقصد بالسعي، ويخلص له العمل، ويجرد له التعظيم، ويفرد بالربوبية والأولوهية والأسماء والصفات.
حق قدره أن يرضي به وليًا وربًا وألهًا وحاكمًا وكفيلًا ووكيلًا وحسيبًا؛ لأنه وحده المتفرد المتوحد، وهو الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
أشرك بع أعداؤه وحاربه خصومه، ونسبوا له الولد والصاحبة، وشبهوه بخلقه؛ لنهم ما قدروه حق قدره.