فهرس الكتاب

الصفحة 18461 من 27345

ونتيجة لما سبق فقد شعر هؤلاء بأن من قام بهذا العمل البشع ، زيادة على تقصيره في تطبيق الشريعة ، وغيرها من أنواع المخالفات؛ لا يمكن أن يكون مسلمًا وبذلك برز فكر التكفير قويًا لدى بعض الفئات .

ولما وجد هذا الفكر تصدى له أهل العلم بالبيان، إلا أن المواقف الانفعالية والمناقشات العقلية، والمعارك الكلامية، ولدت ردّة فعل مقابلة، نتج عنها التوسع في استخدام شرط الاستحلال للتكفير، حتى اشترطوا في أعمال الكفر الصريحة كإهانة المصحف، وسب الرسول، وإلغاء شريعة الله، فقالوا: لا يكفر فاعلها إلا إذا كان مستحلًا بقلبه، وكل هذا بغرض التثبت في إطلاق الكفر! (21)

وحصروا الكفر بناء على ذلك في الجحود والاستحلال (22) .

وقد صرح من يعتقد ذلك بأنه فعله (ردًا على الوالفين في تكفير المسلمين، من الذين جعلوا مسألة تكفير الحكام من أصول مسائلهم الكبرى وفتنتهم العظمى) ، و (أن الحركيين الإسلاميين بالغوا في تكفير العصاة والمخالفين وبخاصّة حكام المسلمين) (23) .

وهكذا كان لردود الأفعال دور في ظهور الغلو في كلا الجانبين المتقابلين .

ثالثًا: عدم القدرة على التعامل مع الوضع الراهن

فإن في هذا المعصر من المشكلات ما لم يمدَّ على الأمّة مثله، من هجر التحاكم لكتاب الله، والإيغال في إيذاء الناصحين، وتكالب الأمم، والتصريح بعداوة الدين من بعض من ينتمي إليه، وبأنه غير صالح للتطبيق، كل ذلك على نحو غالب، ولهذا يفارق ما مضى على الأمة فإنها وإن وجد فيها النقص والخطأ فإنها لم تشهده بشكل غالب إلا في العصور المتأخر.

وقد ترتب على ذلك احتياج الأمة إلى فقيه النفس، القادر على التعامل مع هذه المشكلات، وإبداء الحل الشرعي لها، الذي لا يحاول تسويغ الواقع على حساب الدين، ولا يغيّب نفسه عن تأمل ودراسة واقع الأمة والمجتمع.

وبدلًا من أن يخرج الفقيه المتمكن من الاجتهاد في نوازل العصر، فقد شهد القرنان الماضيان وما قبلهما سدًا لباب الاجتهاد ، ومنعًا منه، بل صار القول بالاجتهاد من الكبائر، بل ربما وصل حد الكفر، ولقد كان من التهم الموجهة من خصوم الدعوة السلفية إلى علمائها دعوى الاجتهاد! (24)

وفي محاولة التعامل مع الواقع - في ظل غياب الفقهاء المتمكنين - برز الاتجاهان اتجاه لم يستطع التعامل مع الأخطاء، فدعا إلى عزلة الناس ومفاصلة المجتمع الجاهلي بمؤسساته ونظمه ، وحكم على المجتمعات بالكفر لرضاها به وعدم قيامها (بالحد الأدنى من الإسلام) (25) .

واتجاه آخر سوغ الواقع بكل أشكاله، وقرر أن من تكلم بالشهادتين فهو من أهل الإسلام ، ولو فعل ما فعل من ضروب الكفر، والشرك، حتى نعلم أنّه في قلبه جاحدًا أو مستحلًّ.

والحقيقة أن من أيقن بالإسلام وصدق به عالمٌ لا محالة أنه بقواعده العامة، وكلياته حالُّ لكل وضع ، شافٍ لكل عيي، ومن أتقن أصوله وفهم مقاصده، لن يعجزه أن يجد لكل نازلة من النوازل من الشرع حكمًا وحلاًّ إذا صدق النية ورزق التوفيق.

رابعًا: المقاصد السقيمة لأدعياء العلم

ومن أبرز هذه المقاصد والتي دفعت إلى ظهور هذين الاتجاهين ، التعصب للمشايخ ، ومحاولة تسويغ الواقع ، وعدم الرجوع للحق بعد تبينه. والجامع لكل ذلك أنه اتباعٌ للهوى.

واتباع الهوى اعتقادٌ يتبعه استدلال، ويتلوه تحريف لكل دليل مخالف ، بعكس أهل الحق الذين يتبعون الأدلة ثم ينقادون لها فيعتقدون بعدما يستدلون .

قال ابن تيمية: (إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن، والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل التفريق والاختلاف شيعًا، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم ، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به ، وما خالفها تأولوه .. والمقصود أن كثيرًا من المتأخرين لم يصيروا يعتمدون في دينهم لا على القرآن، ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول، بخلاف السلف، فلهذا كان السلف أكمل علمًا وإيمانًا، وخطؤهم أخف، وصوابهم أكثر كما قَدّمناه) (26) .

وقد يزيد من قوة تأثير هذا السبب أن يعرض العلماء (الربانيون) عن إيضاح الحق وبيان الموقف الصحيح لأي عذر.

خامسًا: عدم رد المتشابه للمحكم

فقد أخبر الله تعالى أن من آياته المتشابه، ومنها المحكم، وبيّن سبيل مرضى القلوب من ابتاع المتشابه وعدم رده للمحكم، وفي المقابل يكون سبيل الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم .

والمتشابه، هو: غير واضح الدلالة مما له تصريف وتأويل فيمكن حمله على المعنى الفاسد من حيث لفظه وتركيبه (27) . قال تعالى:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرُ متشابهات فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" [سورة آل عمران:7] .

والواقع في من يتبنى مناهج مخالفة لهدي السلف أنّه يعمد إلى نص فيجعله عمدته وكأنه لا معارض له، كيف وقد عَارَضَهُ ما هو أرجح منه، أو يجعل ما ورد في مسألة مخصوصة هو القاعدة العامَّة دون العكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت