فهرس الكتاب

الصفحة 18580 من 27345

لا ينال هذا السلاح ، سلاح إلقاء الرعب والخوف في قلوب الكفار إلا من كان على مثل ما كان عليه النبي وأصحابه: ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ? [آل عمران:173] .فإن هذا القول مطابق لما وقر في قلوبهم من زيادة الإيمان والاعتماد على الله، ولذلك قالوا: ? حَسْبُنَا اللّهُ ? يعني كافينا شر أعدائنا وكل ما يتطلبه واقع حياتنا، فنحن مطمئنون إلى إنجاز وعده بكل صدق ويقين وهو ? َنِعْمَ الْوَكِيلُ ? الكافي لنا في كل مهمة ، لقد أودع الله تلك القلوب وهي مغلوبة في أُحد أودع فيها القوة والحمية والصلابة والبسالة المنقطعة النظير، وهذا يدل على أن البواعث والصوارف من الله، وأنه مقلب القلوب، فيجب على المؤمنين اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدقوا في التوكل على الله والاعتماد عليه ويبذلوا ما في وسعهم لمجاهدة أعداء الله، وإذا ادلهمت عليهم الخطوب وكثرت أراجيف الأعداء فليقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فهي كلمة عظيمة ينبغي النطق بها في الشدائد والمهمات.

أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار ، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا(إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ) .

إن الخوف من الأعداء سببه الهزيمة النفسية وسبب قابليتها للذل والخذلان، ولقد رأينا كيف عالج رسول الله نفسيات الصحابة بعد وقعة أحد حيث خرج وأمرهم بالخروج لملاحقة الكفار، ليمحو ما في ضمائر أصحابه من الشعور بالهزيمة، وإنعاش لها بالنصر الحسي والمعنوي، وعلاج روحي عظيم نافع لآلام جراحاتهم. وأودع في قلوبهم أن ما أصابهم هو امتحان وتجربة، وأنه ليس نهاية المطاف، وإشعار لهم بضعف أعدائهم، حتى تتجدد فيهم القوة والروح المعنوية ، ويعلموا أن ما أصابهم لا يعود ، وسيكونون هم المنصورين دائمًا بإذن الله وعونه وتوفيقه، إذا حققوا مقتضيات الإيمان دون قصور أو خلل مع بذل طاقاتهم في سبيل الدعوة والجهاد وحمل راية الإيمان والتوحيد، وإنهم وإن عاقبهم الله على أخطائهم، فإن عقوبته تكون خير وبركة إذ فيها الدروس والعظات والعبر ومعرفة سنن النصر والهزيمة، ولقد جعل الله وقاية لعباده من الهزيمة النفسية حيث وضح لهم أسباب الخوف ليعرفوها ويبتعدوا عنها غاية البعد فقد أبان سبحانه لنا بأن مصدر الخوف هو الشيطان فقال سبحانه: ?إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? [آل عمران:175] .

بين الله سبب الخوف وعلة الهلع والفزع والجبن، وأن الشيطان هو الذي يجند أولياءه من الإنس للتخذيل والإرجاف، وإثارة الرعب تارة، وإنزاله عبر برامج وفلسفات شيطانية وخطط إعلامية مضللة تارة أخرى، والغرض من ذلك هو التخويف من الكفار والمنافقين، بتضخيم شأنهم وإلباسهم لباس القوة في العدة والعدد، ويلقوا في روع الناس بأنهم لا يهزمون إلى غير ذلك من أنواع التخويف والإرهاب، وكل ذلك من فعل الشيطان وأولياءه، لأن خططهم وأهدافهم لا تنفذ ولا تتحقق إلا في ظل تضخم الشر وصولة الباطل، ولهذا فإن الله سبحانه ينهي المؤمنين من أن يساورهم شيء من الخوف من أولياء الشيطان ، فإن من يعرف الله ثم يخاف أولئك الشياطين ليس بمؤمن ، لقوله تعالى: ? فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? [آل عمران:175] . فالخوف منهم مناف للإيمان. فيجب على المؤمنين أن لا يخافوا الكفار، وأن لا يعظم أمرهم عندهم مهما بلغوا من الكثرة والقوة، فإن القوة لله، فما علينا إلا أن نطيع الله حق الطاعة ونطيع رسوله، ونلجأ إليه سبحانه ، ونستقيم على أمره. إن فعلنا ذلك فإنه سبحانه متكفل لنا بالنصر والظفر .. فإن تخويفات الشيطان لا تؤثر إلا على أولياءه من المنافقين وفاقدي الإيمان.

فالخوف محصور فيهم لا يصل إلى المؤمنين الصادقين أبدًا ، إن معظم المسلمين اليوم يعيشون غثائية متكررة، يسيطر عليها الجبن والخوف والهلع، إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يسارعون في الكفار يخشونهم والله أحق أن يخشوه، حتى في حالات حصول شيء من النصر على أيدي المؤمنين يسعون بكل قوة لإيقاف تلك الانتصارات رضوخًا إلى تخويف الشيطان وأولياءه من شياطين الإنس. إنهم يجندون أنفسهم مع الكفار لتنفيذ سياساتهم وتطبيق مخططاتهم وإن كانت ضدهم وضد مصالحهم ، لكنه الخوف من غير الله الذي يسوقهم إلى الكارثة والدمار. وحجة المنافقين دائمًا وأبدًا هي قولهم نخشى أن تصيبنا دائرة. إنَّ خُلُو قلوبهم من الإيمان بالله وعدم معرفتهم بعظمة الله جعلهم يتخبطون كالذي يتخبطه الشيطان من المس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت