روحانية صائم عاش في جنة الدنيا، وفى الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة،
تسعى بهم أعمالهم شوقًا إلى *** الجنات شوق الخيل بالركبان
صبروا قليلًا فاستراحوا دائمًا *** يا عزة التوفيق للإنسان
رفعت لهم في السير أعلام السعـ *** ـادة والهدى يا ذلة الحيران
بعضهم يقول:"إنه ليمر بالقلب لحظات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي نعيم"، واسمع للآخر يقول:"أنا جنتي وبستاني في صدري فماذا يفعل أعدائي بي، سجني خلوة، ونفى سياحة، وقتلى في سبيل الله شهادة"وهذا ثالث لم يجد ما يعبر به عن السعادة واللذة التي يحبها إلا بقوله:"إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"إنها حلاوة الإيمان وطعم الصلة بالله،
صم وقم كما كان يصوم ويقوم قدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؛"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" (آل عمران 31)
أنت تمسك عن الطعام والشراب والجماع أكثر من نصف يوم لماذا؟ تجوع وتعطش لماذا؟ تسهر وتتعب لماذا؟ أصناف الطعام بين يديك والماء البارد بين عينيك فلا تمد يدك إليه؛ لماذا؟ ماذا تريد من كل هذا؟ ما هو الهدف؟ إلى أي شئ تريد أن تصل؟ ربما حدثتك نفسك فقالت: لماذا أمرنا الله بالصيام؟ ولماذا فرض علينا شهر رمضان؟
حاشا الله عز وجل أن يكون المراد تجويعنا وتعطيشنا وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم من الأم بولدها، بل إن الله قال في آخر آيات الصيام"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" (البقرة 185)
وربما تقول أيها الحبيب؛ إننا نصوم رمضان لأن الله أمرنا بصيامه، فتجب الطاعة والاستجابة لله بما أمر.
نعم إن الاستجابة لله ورسوله أمر واجب على كل مسلم ومسلمة، ولو لم تتبين لنا الثمرة والحكمة من هذا الأمر، فنحن أسلمنا واستسلمنا لله جل وعلا، فيجب علينا طاعة الله، فإن الخير كل الخير فيما أمر الله ورسوله به، لتكن هناك ثمرة وغاية عظيمة بينها الله عز وجل من شهر الصيام بقوله:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة 183)
الهدف من الصوم
إذا فالغاية الأولى والهدف الأسمى من صيام رمضان.
*** هو إعداد القلوب للتقوى ومراقبة الله.
*** إعداد القلوب لخشية الله.
فالصوم يجعل القلوب لينة رقيقة، يجعلها ذات شفافية وحساسية، يجعلها وجلة حية.. يوقظ القلوب، فإذا فسد الناس في زمن من الأزمان فإن صلاحه لا يكون بالتشدد والتنطع، فليبدأ الصلاح بإعداد القلوب وبث حرارة الإيمان فيها، وخوف الله ومراقبته، فالإسلام لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات، إنما يقودهم بالتقوى ومراقبة الله والخوف منه.
ثمار الصيام
ومن اعظم ثمار الصيام، تربية القلوب على مراقبة الله وتعويدها على الخوف والحياء منه.
إن الإمساك عن الطعام والشراب في رمضان ليس هدفًا في ذاته، بل هو وسيلة لرقة القلب وانكساره وخشيته لله، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه"كما في البخاري، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم:"ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث"رواه ابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
هذه هي حقيقة الصيام. أما إن كان الأمر ترك الطعام والشراب فما أهون الصيام، ولكن إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك من الكذب والمحارم؛ وجماع ذلك خوف القلب من الله ومراقبته، وإلا فتنبه واحذر فربما دخلت في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر"، نعوذ بالله من حال هؤلاء
فأف ثم أف لنفوس لم يهذبها الجوع ولم يربها السجود والركوع، فالصيام تدريب للنفوس وتعويد لها على الصبر وترك الشهوات.
يدخل رمضان ويخرج وبعض النفوس لم تتغير، يجوع ويعطش وقلبه هو قلبه، ومعاصيه هي معاصيه، وربما يركع ويسجد، ويسهر ويتعب وحاله هي حاله، ولسانه هو لسانه.
فلو قيل لأهل القبور تمنوا، لتمنوا يومًا من رمضان، وهؤلاء؛ كلما خرجوا من ذنب دخلوا في آخر، بل ربما لا تحلو لهم الشهوات والفتن في المعاصي والسيئات إلا في شهر رمضان والله المستعان.
يا هؤلاء فيه تغلق أبواب النيران وتفتح الجنات، وتصفد الجان.. فدونك نفسك أيها الإنسان.
يا هؤلاء.. أما تنفعكم العبر؟ أما عصيتم وستر؟ اعرفوا قدر من قدر.. فقد آن الرحيل وأنتم على خطر، لكن عند الممات يأتيكم الخبر؛ نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.
قال ابن رجب -رحمه الله-:"كل قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر، لا يزيد صاحبه إلا بعدًا، وكل صيام لا يصان عن قول الزور والعمل به، لا يورث صاحبه إلا مقتًا وردًا، يا قوم أين آثار الصيام!! أين أنوار القيام!!"
كيف تحصل ثمرة الصيام (تقوى الله) ؟