أن من أبرز مظاهر الخلل في واقع المسلمين اليوم هجر الملايين من المسلمين كتاب الله وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم , حتى غلب الجهل عليهم . وامتد الجهل بالملايين من المسلمين إلى الجهل باللغة العربية , واستبدل الملايين من المنتسبين إلى الإسلام بها لغات أخرى , فزاد ذلك من هجرهم للكتاب والسنة وجهلهم بهما . فوقع الانحراف عند الكثيرين , وأخذت المعاصي والآثام تزداد , وتسلل الأعداء إلى واقع المسلمين وإلى ديارهم ودلفوا بأفكارهم ومذاهبهم ولغاتهم , وبفجورهم وانحلالهم , وجيوشهم وعدَّتهم , فتفرقت الأمة أقطارًا وديارًا , وشيعًا وأحزابًا . وأخذت مذاهبهم تتسلل بين المسلمين , حتى ألف بعضهم تلك المذاهب ثم اتبعوها , ثم أصبحوا دعاتها . ولم ينتبه المسلمون ليواجهوا ذلك في حينه بنهج وخطة , وصف واحد , حتى زاد انتشار مذاهبهم ومبادئهم , وأخذت تتزايد أمراض الواقع ويزداد الخلل .
ونعتبر أن أخطر قضية من بين هذه القضايا هي قضية الإيمان والتوحيد , وقضية العلم الذي أمرنا الله بطلبه والسعي إليه . وأساس العلم كله منهاج الله: قرآنًا وسنةً ولغة عربية . ولمعالجة هذا الخلل , هجر منهاج الله , وما يترتب على ذلك من خلل واضطراب في الإيمان والتوحيد , فلا بد أن تخضع المعالجة إلى منهج عمليٍّ نابع من الكتاب والسنة وقواعد الإيمان والتوحيد , ومدرسة النبوة الخاتمة الخالدة .
2 ـ التكاليف الربانيّة: ـ
وكان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الكتاب والسنّة منهجًا ربّانيًّا متكاملًا مترابطًا , لغته العربية التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون لغة الوحي والنبوة و القرآن ، ولغة الذكر ولغة الإسلام . فكان المنهاج الربّاني ـ قرآنًا وسنّةً ولغة وعربيّة ـ معجزًا لا يقوى أحد من الجن والإنس على أن يأتي بمثله أو بعشر سور مفتريات أو بسورة واحدة . وكان من إعجازه أن جعله الله ميسَّرًا للذكر على قلب كلِّ من آمن وعرف اللغة العربية . فالإيمان واللغة العربية مفتاحا تدبر كتاب الله وفهمه , وأساس اليسر فيه:
( ولقد يسْرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) [ القمر 17، 22، 32 ، 40 ]
وكان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن فصّل في المنهاج الربّاني التكاليف التي وضعها في عنق كلّ مسلم ، والتي سيحاسَبُ عليها يوم القيامة . وجعل هذه التكاليف مترابطة متماسكة متكاملة ، تمضي كلها على صراط مستقيم واحد ، وجعله الله مستقيمًا وواحدًا حتى لا يضلَّ عنه مؤمن ولا يُخْتلَفَ عليه ، ليمضي المؤمنون صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص ، كما يحبّ الله أن يكون عليه المؤمنون الذين يحملون رسالة الله ويجاهدون في سبيله:
( وأنّ هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) [ الأنعام: 153 ]
( إِنّ الله يحبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص ) [ الصف: 4 ]
وكان من رحمته سبحانه وتعالى أن بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم ليبلّغ رسالة الله ، ولتكون سيرته تطبيقًا عمليًَّا لمنهاج الله ، وليكون النبيّ الخاتم أُسوةً حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر:
( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرًا ) [ الأحزاب: 21 ]
ومن هنا جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه العرباض بن سارية رضي الله عنه:
( ... فعليكم بسنَّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ ) [ أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة ]
وفي الحديث الصحيح يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي , ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . ) [ صحيح الجامع الصغير وزيادته: 2938 ]
وكلمة السنّة هنا تعني: الطريق والنهج . فلقد علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه نهجًا يتّبعونه ومنهاجًا يسيرون عليه ، في صورته المترابطة المتكاملة , وليس مجرّد قواعد متناثرة أو أحداث متفرّقة .
إِلى هذا النهج أو المنهاج ، إِلى هذه السنّة النبويّة الشريفة ، ندعو أنفسنا وندعو كلّ مسلم ليتعلّمها وليَعضَّ عليها بنواجذه ، لِنَنْجُوَ من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة ، ولنُوفيَ بالأَمانَةَ التي خُلِقْنا لها ، والعهد الذي أخذه الله من بني آدم ، ولتصدُقَ منا العبادة لله وحده والخلافة في الأرض التي أَمَرَنا بها , عسى الله أن يُنزل نصره ويرفع بلاءه .
ولنجمع قواعد هذا النهج وهذه السنة النبوية في أسلوب ميسَّر يلبي حاجة واقعنا اليوم , فإننا نقدم ما نسمِّه"المنهاج الفردي"أو"الذاتي", لكل مسلم , ولكل أسرة , ولكل جماعة وحركة .
ولو رجعنا إِلى مدرسة النبوّة الخاتمة ، مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإلى الكتاب والسنّة بصفة عامة ، لوجدنا أن هذا المنهاج الفرديّ خاضع لذلك كله مرَّتب على ضوء واقعنا اليوم معتمد على أسس ربانية .