أما مجموعة أسباب القصور وهي التي لم يكن الأزهر مسئولا عنها بشكل مباشر فيمكن تقسيمها إلى ثلاث دوائر متداخلة:
الدائرة الأولى وهي ترجع إلى الداعية كإنسان عادي ، و نعني بها مستوى معيشته الذي يرتبط بالضرورة بتدني الأجور التي يتقاضاها خريجو هذه الكليات ، ويكفي أن نقول إن خريجي هذه الكليات لا يحصلون على ما يسد تكاليف الطعام والشراب ، والملبس والدواء فضلا عن السكن والمواصلات والزواج إلخ ، بالرغم من التحسن الذي طرأ على هذا المستوى.
وإذا كان هذا هو حال خريجي الكليات النظرية بوجه عام ، فإن خريجي أقسام الدعوة وكلياتها بالأزهر الشريف يتنسمون الذروة العليا من هذه المشكلة ، وهم لا يملكون ما يملكه بقية خريجي هذه الكليات من قدرة على زيادة دخلهم في عمل إضافي يتمثل في الدروس الخصوصية لمن يعمل مدرسا ، أو في عمل آخر يجده الداعية غير لائق بطبيعة عمله .
وعلاج هذه الحالة يقتضي: فرض أجر واقعي مناسب لا يقل عما تفرضه الدولة لفئات أخرى تحرص الدولة على تأمين أجر مناسب لها لظروفها الخاصة . بالإضافة لمواصلات مجانية ، ومسكن بأجر رمزي ، وقرض حسن لتكوين الأسرة يسدد على أقساط ميسرة ، ومكتبة مجانية مستمرة التزويد من قبل الدولة .
أما الدائرة الثانية التي تلي الدائرة الأولى من أسباب القصور: فهي تلك التي تتعلق بصلة الداعية بالاتجاهات المختلفة العاملة في نطاق الدعوة ، وأعني بذلك ما نجده من تنافر بين تلك الاتجاهات ، وتنابز بالألقاب يصعد حتى يكون تنابزا بالكفر .
فهناك الدعاة الذين يعملون في إطار السلطة الشرعية يتقاضون أجورهم منها ويلتزمون أمامها بالولاء ، وهؤلاء نجدهم عرضة للاتهام بالسكوت عما يغضب السلطة ، إن لم يقعوا في تهمة مساعدتها بالقول والفعل في أمر من الأمور التي تبدو مخالفة للشرع كما هو الحال الذي اتسع فيه الخرق على الراقع أخيرا ، وهم على كل حال يجدون أنفسهم بالحق أو بالباطل - مهما احترسوا - مدموغين بالنفاق منذ اللحظة الأولى التي يمارسون فيها أعمالهم .
وهناك الدعاة الذين دفعتهم بعض الظروف إلى العمل خارج إطار السلطة ، والاحتياج لأجورها ، وهؤلاء نجدهم ، مهما أخلصوا في عملهم - عرضة للاتهام بالجهل تارة ، والتطرف تارة ، واستثارة الجماهير تارة أخرى .
وهناك الدعاة الذين يميلون لشيء من التصوف - ولنقل لتصوف دعوى معتدل ملتزم بالكتاب والسنة - وهؤلاء يجدون أنفسهم عرضة للاتهام بالسلبية إزاء مشاكل المسلمين ، أما إن فقدوا الاعتدال في تصوفهم فهم يصبحون عرضة للاتهام بأخطر التهم .
وهناك في مقابل هؤلاء دعاة يتشددون في الالتزام بظاهر النص وحرفيته وهؤلاء يجدون أنفسهم في عزلة عن إخوانهم في الدعوة ، وعن الجماهير في أكثر الأحيان .
وهؤلاء جميعا يتضاربون ، ويتنابزون ، ويحبط بعضهم أعمال بعض .
ولا شك عندي أن طلاب الدعوة يتنسمون ريح هذا الجو ، ويحسون ثقله على عقولهم الغضة ، فيصيبهم ذلكم بشيء كثير من الرهبة أو الإحباط أو اليأس ، يؤدي بهم أخيرا إلى الفشل .
وعلاج هذا الحال معقود في رأيي بيد الذين يناط بهم أمر الدعوة محليا وعالميا ، فضلا عن الذين يخططون لها ، أو ينبغي أن يخططوا لها على مستوى العالم ، ويمكنهم حل هذه المشكلة بالاتفاق فيما بينهم في مؤتمر محلي أولا ثم في مؤتمر عالمي ثانيا ، يبرأ من صلته بالسلطة ثالثا ، يضم جميع الأطراف دون تجاهل لتيار منهم ، وخطوط الاتفاق هنا يمكن أن تكون بالاتفاق على القاعدة الفقهية التي تقرر أنه: إذا تردد الفعل بين أن يكون فرضا أو بدعة فالدعوة إليه وإتيانه أولى بالاتفاق ، وإذا تردد بين أن يكون سنة أو بدعة فالنهي عنه أو تركه أولى عند أكثر الفقهاء وهو المختار ، وإن تردد بين أن يكون واجبا أو بدعة فالدعوة إليه أو إتيانه أولى عند أكثر الفقهاء كذلك ، وعلى وجه العموم هناك في قواعد الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يمكن النظر فيه وإقراره على مستوى المؤتمر الذي ندعو إليه ، من أجل أن تتحرك هذه الاتجاهات الإسلامية على قاعدة من الوفاق ، العملي وإن اختلفت أحكامها النظرية أحيانا .
ومن الضروري في هذا المجال أن توضع من خلال مؤتمر إسلامي عالمي سياسة عملية لتنشيط الفكر الإسلامي ليضع إجابات واضحة وحلولا عملية أمام المشكلات الحيوية المطروحة عليه في العصر الحاضر: كمشكلة الحرية ، والتربية ، والإعلام ، والاقتصاد ، والحكم ، إذ من المقرر أن الغموض المصطنع في هذه المجالات يمثل عبئا ثقيلا على ذهن الداعية ومواقفه .
أما عن الدائرة الثالثة من أسباب القصور فتتعلق بعلاقة الداعية بالمجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه ، في تعامله مع أوضاع مثيرة للخوف أو للضجر ، أو للقرف ، وهي جميعا تضع الداعية في ظروف نفسية بالغة القسوة .