فهرس الكتاب

الصفحة 19116 من 27345

ثم تتحدر الحالة إلى سوء أكثر حين لا يكون ثم طرف وادّ، يمنح لسانه الحرية، بل أطراف أخرى تدافع عن نفسها، وتفنّد المزاعم، فيثور الجدل، فيعم الصخب، وهذا لأن الشر له قابلية التسلسل، وهو سريع النسل، كثيره، وليس الحزم إذا رأى المخلصون أوائله إلا في أن يتحاملوا، ليسدوا الطريق أمام استطراده.. وكان التَحَالُمُ صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يغضب ويحمرّ وجهه الشريف، ثم لا يعاقب،فَعَنْ ابِنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: [ يَرْحَمُ اللَّهَ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ] رواه البخاري ومسلم وأحمد .

فصاحة الجمال الصامت: يظل قائل القول الحسن المفيد ناقصًا إذا لم تسعف الأعمال دعواه العريضة، وهي صورة من الصور المرجوحة رصدها المربون فأنكروها، وبينوا كيف أن قومًا:

إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ولكنّ حُسْنَ القول خالفه الفعلُ

ورصدوا حالة معاكسة طرأت كان الأقدمون ضدها، يوم أظهروا الدأب الصامت:

وكان البرُّ فعلًا دون قول فصار البرُّ نُطقًا بالكلام

وساد عُرف التفاصح، فاسترخت أيادي التصافح، حتى:'نطقنا بالعربية فما نكاد نُلحن، ولحنا بالعمل فما نكاد نُعرب'. كما عبّر إبراهيم بن أدهم . وسبب ذلك: خلل في ركن الإخلاص ، وقد بينه الجُنيد البغدادي في معادلة واضحة، أنه:'يخلص إلى القلوب من بره: على حسب ما تخلص القلوب عند ذكره'. ثم قال:'فانظر ماذا خلط قلبك؟'. فالعمل الصالح بِرٌّ، وإنما يأذن به الإخلاص، فإن لم يوفق القلب إلى مزيد بر؛ فالواجب أن تفحص كفحص الأطباء عن أخلاط ومكدرات وشوائب تعيق.

بل لا يحتاج صاحب الإخلاص إلى تذكير الآخرين بما عنده، وما هو بحاجة إلى دعاية أو دفاع عن النفس، وإنما هو مثل زهرة ينتشر ريحها ويجبر المار بجوارها على الالتفات والاستمتاع بشذاها الزكي حتى لو لم يرها أول مرة.. 'فمن أصلح سريرته: فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه. فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر' [ صيد الخاطر لابن الجوزي /207] .

وكلما وعى الدعاة هذه الحقائق أكثر؛ تقلصت احتمالات الفتن في، واضمحل ما يلازمها من تكبر وحسد وجدال، وكان عمرو بن قيس الملائي يرى رءوس التواضع ثلاثة، أحدها:'أن لا تحب الرياء والسمعة والمدحة في عمل الله'، وكانت وصية يحيى بن أبي كثير أن:'تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل'..فخذ برأس الأمر أيها الأخ الداعية، ولا تستغرب كثرة التوصية بهذه المعاني التي مرت عليك عند الابتداء، فإنها تلزمك عند التوسط أيضًا، وعند الانتهاء فإن:'أقرب الناس من الرياء: آمنهم له' كما يقول التابعي عَبدة بن أبي لُبابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت