حين تغوص في الأوحال القدم: وخبر هذه الاختلاطات القلبية، وازدواج النية؛ خبر عجيب غريب، حتى أنها قد تستدرج الداعية إلى أرض الحس،د وهو يظن أنه يحسن صنعًا، ويتوهم أنه يسعى على حق أقره الشرع عليه، وقد ضرب الإمام الغزالي في الإحياء مثالًا لورود هذا الالتباس في الحياة العلمية، يمكننا أن نقيس عليه شيئًا يحدث في الميادين الدعوية، وفي المثال كشف لأسرار النفس الإنسانية يحتاج الدعاة تعلمه، وفيه وصف لنوع خفي من الفتن حري بهم أن يفقهوه، ويبدأ الغزالي بالتذكير بـ 'أن الباعث للأكثرين على نشر العلم: لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول: غرضكم نشر دين الله والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلاطين، ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه، وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين، ولو ظهر من أقرانه مَن هو أحسن منه وعظًا، وانصرف الناس عنه، وأقبلوا عليه؛ ساءه ذلك وغمّه، ولو كان باعثه الدين؛ لشكر الله تعالى؛ إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره. ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه، ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنتَ أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود، ولا يدري المسكين أنّ انقياده للحق، وتسليمه الأمر؛ أفضل وأجزل ثوابًا، و أعود عليه في الآخرة من انفراده، وليت شعري لو اغتم عمر رضي الله عنه بتصدي أبي بكر رضي الله عنه للإمامة: أكان غمه محمودًا أم مذمومًا؟ ولا يستريب ذو دين أن لو كان ذلك لكان مذمومًا؛ لأن انقياده للحق، وتسليمه الأمر إلى من هو أصلح منه؛ أعود عليه في الدين من تكفله بمصالح الخلق مع ما فيه من الثواب الجزيل، بل فرح عمر رضي الله عنه باستقلال من هو أولى منه بالأمر، فما بال العلماء لا يفرحون بمثل ذلك ؟ وقد ينخدع بعض أهل العلم بغرور الشيطان، فيحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر لفرح به، وإخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة والامتحان محض الجهل والغرور، فإن النفس سهلة القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الأمر، ثم إذا دهاه الأمر: تغير ورجع ولم يف بالوعد، وذلك لا يعرفه إلا من عرف مكايد الشيطان والنفس، وطال اشتغاله بامتحانها، فمعرفة حقيقة الإخلاص والعلم به: بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر، والفرد الفذ، وهو المستثنى في قوله تعالى:إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [83] { [سورة ص] فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر' [ إحياء علوم الدين 4/381] .
فأعد التأمل في هذا النمط من السلوك النفسي؛ ينفتح لك باب عريض من فقه القلوب، ينجيك بإذن الله من ضيق الفتن التي قد تغري داعية بالتنافس مع داعية آخر، فيتبرم من وجوده وكلامه ودروسه، وما ثمّ غير الحسد، والعياذ بالله، فيأخذ بالوشاية عليه لدى الأمراء.
وكان من الممكن لهذا النوع من الحسد أن يكون محدود الأثر، لكنّ طبيعته تترك قلب الحاسد يغلي، فيستهلك نفسه، ويطمع الشيطان أن ينال أكثر، فيغري الحاسد بالنميمة والوقيعة بين المحسود وإخوان له، فيتعدى الأثر، وتعم البلوى.هذه الحالة هي التي شكاها الكثير من فقهاء المسلمين ونبلائهم، جيلًا بعد جيل،وما يزال يشكوها بعض الدعاة،وتنطق بها تقارير وشهادات ومحاكمات.وإنك لتسمع توجع محسود يقول:
أفشى عليّ مقالة ما قلتُها وسعى بأمر كان غير سديد
فتتألم لألمه، وتأسف لهذا التردي الأخلاقي. ثم تلتفت، فتصادف مُصليًا يدعو ربه أن يعصمه من 'الغواية في الرواية' فتتخيل كما آذت هذا المسلم غواية التلاعب بالألفاظ والحقائق .
وعلاج هذه النميمة لا يكون بوعظ مقترفيها، فإن للشيطان عشيرة حكم بنمائها القدرُ، وهم بنسبهم في سرهم يفرحون ويفخرون، لكن العلاج الحاسم إنما يكون في صدود الثقة عن صاحب الإفساد الواشي، وتحسين الظن بالمؤمنين، وتقديم ما تعلم من خبر أخيك على خبر الهامس بأذنك، واستحضار سابقاته الخيرية، واستشهاد أيامه الماضية.وهذا الطمع في وعي الثقة ونباهة الأمير هو الذي عوّل عليه المظلومون دومًا:'فليس ملامهما على من وشى، لكن على من منح الأذن الصاغية'.