3)ورحم الله الحافظ الذهبي ما ألطفَ ما ذكره عند ترجمة ابن عمر من (تذكرة الحفاظ) فقال:"ما ذكر ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ إلا بكى! [22] وما مرّ على ربعهم إلا غمض عينيه!" [23]
4)ولله درّ العجّاج حيث قال:
5)وما أحسنَ قولَ المتنبّي:
الثالث: بكاء المكر والخداع:
1)وهو نوعٌ مذمومٌ؛ لما فيه من التدليس، كما قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وجاؤوا أباهم عشاءً يبكون) [يوسف 16] :"قال علماؤنا: هذه الآية دليلٌ على أن بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله؛ لاحتمال أن يكون تصنّعًا... وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى؛ كما قال حكيم:"
2)وقد عبّر الشعراء من قديم الزمان عن هذا المعنى الذي ذكره القرطبي، كما قال امرؤ القيس في المعلّقة:
الرابع: بكاء الإنابة إلى الله:
فالبكاءُ وإن كان جِبِلّةً بشريّةً؛ ولكنّ المؤمن الواعي يُعطي هذه الفطرة الإنسانيّة أبعادًا معرفيّةً ومعانيَ تعبّديّةً، كما قال صاحب الظلال في تفسير: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) [يوسف 86] :"في هذه الكلمات يتجلّى الشعور بالألوهيّة في هذا القلب الموصول؛ كما تتجلّى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر ولألائها الباهر... وهذه قيمة الإيمان بالله ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة: معرفة التجلّي والشهود، وملابسة قدرته وقَدَره، وملامسة رحمته ورعايته، وإدراك شأن الألوهيّة مع العبيد الصالحين؛ إنّ هذه الكلمات (وأعلم من الله ما لا تعلمون) تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها وتعرض مذاقًا يعرفه من ذاق مثله؛ فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب"! [28]
الخامس: بكاء الخوف من الله:
1)وهذا البكاءُ ثمرةُ العلمِ النافع،كما قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ) [الإسراء 109] :"هذه مبالغةٌ في صفتهم ومدحٌ لهم؛ وحُقَّ لكلّ من توسّم بالعلم وحصّل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة؛ فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذلّ. وفي مسند الدّارميّ أبي محمد عن التَّيْميّ قال: من أُوتيَ من العلم ما لم يبُْكِهِ لخليقٌ ألا يكون أُوتي علمًا؛ لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية. ذكره الطبري أيضًا..." [29]
2)وليت شعري كيف ينام العبد قريرًا وهو يقرأ قول عباد الله الصالحين: (إنّا نخاف من ربِّنا يومًا عبوسًا قمطريرًا) [الإنسان 10] ؟! وقد ترجم البخاري في كتاب الرقاق (باب البكاء من خشية الله عز وجل) ! ورُبَّ دمعةٍ من مُذْنِبٍ مِعْثارٍ تحرِّم عليه النّار، وتُظلُّه في ظلّ الملِكِ الجبّار! كما روى البخاري في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعةٌ يظلّهم الله في ظلّه...) ، وفيه (ورجلٌ ذكر الله ففاضتْ عيناه) ، وفي أبواب المساجد (ذكر الله خاليا) .
3)قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وقد ورد في البكاء من خشية الله على وفق لفظ الترجمة حديث أبي ريحانة رفعه (حرّمتُ النار على عينٍ بكتْ من خشية الله) الحديث أخرجه أحمد والنسائي وصحّحه الحاكم، وللترمذي نحوه عن ابن عباس ولفظه (لا تمسّها النار) وقال: حسن غريب، وعن أنس نحوه عند أبي يعلى، وعن أبي هريرة بلفظ (لا يلج النارَ رجلٌ بكى من خشية الله) الحديث وصحّحه الترمذي والحاكم". [30]
4)وقد أشار الألبيري رحمه الله إلى هذه المعاني في نصيحته النافعة لولده، فقال:
السادس: بكاء الندم والشعور بالتفريط في جنب الله:
1)فدموعُ التائبين في جُنْحِ الليلِ تروي الغليل، وتشفي العليل، كما قال شيخ المفسِّرين أبو جعفر الطبري في تأويل قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ) [النجم 59-61] :"لا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي الله؛ وأنتم من أهل معاصيه، (وأنْتُمْ سامِدُونَ) يقول: وأنتم لاهون عما فيه من العِبَر والذِّكْر، مُعْرِضُون عن آياته!" [31]
2)وإنّ بكاء المذنبين ـ لاسيما في ساعات الأسحارـ يُذْهِب الأكدار، ويطهّر الأوزار! ومن هذا الباب ما كان في قصّة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم حينما خُلِّفوا يوم تبوك قال (فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان! وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق...حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيتُ حتى تسوّرتُ جدار حائط أبي قتادة ـ وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ ـ فسلّمتُ عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلام. فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحِبّ الله ورسوله؟ فسكت، فعدتُ له فنشدتُه فسكت، فعدتُ له فنشدتُه؛ فقال: الله ورسوله أعلم؛ ففاضت عيناي!" [32] "