وكذلك من الآثار العظيمة بالنسبة للشدائد: أنها تربي جيلًا قويًا، قادرًا على المواجهة بعد أن تُذْهِب جيلًا فيه الميوعة والانحلال والمهانة: فلما رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة، وقالوا بكل و قاحة: { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [24] قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [25] قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [26] } [سورة المائدة] . و لذلك مكث بنو إسرائيل في صحراء التيه يخرجون من الصباح للبحث عن مخرج و منفذ فلا يأتي عليهم غروب الشمس إلا و يجدون أنفسهم في ذات المكان الذي بدؤوا منه البحث أربعين سنة يتيهون في الأرض، لا يجدون مسلكًا يخرجون منه، و لا يهتدون إلى طريق يخرجهم من ذلك التيه، وكان من الحكم في هذه الشدة التي نزلت بهم: أن يذهب ذلك الجيل يموت، الذي رفض دخول الأرض المقدسة، وتقاعس عن قتال الجبارين، ذلك الجيل الذي كان تربى في ظل فرعون على الذل والمهانة، والاستعباد، والطغيان، لم يكن يصلح للفتح العظيم؛ ولذلك فسدت فطرتهم، فشاء الله أن يبقى في هذه الصحراء ليموت فيها، ويخرج جيل جديد ، وأربعين سنة كفيلة بذهاب جيل ومجيء جيل آخر، قد تربى في شدة الصحراء، و هذه الظروف الصعبة؛ ليكون فيما بعد أهلًا لأن يدخل الأرض المقدسة، عاشوا في جو الخشونة، صلب عودهم، و جاءوا على غير النموذج الذي كان عليه آباؤهم، فكانوا أهلًا للفتح بأمر الله .
فمن فوائد الشدائد: إذا أنها تربي جيلًا جديدًا، جيل المحنة المؤهل للنصر؛ لأن الجيل الذي قبله أفسده الذل، والاستعباد، و لربما يكون في بعض البلدان، والأماكن، والأزمان، أفسدته الميوعة و الانحلال، والمعاصي والترف، فلا يكون أهلًا للنصر، فيبتلي الله المسلمين بالشدائد، قد تطول سنين لكي تذهب آثار الميوعة والانحلال، فيخرج بعد ذلك خلقًا آخر، أو يكون من بعده جيل آخر يكتب الله الفتح على أيديهم .
ومن فوائد الشدائد:التمحيص، وظهور الحقائق، وانكشاف البواطن: تمييز المسلم عن المنافق، والمنافق عن المسلم: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... [179] } [سورة آل عمران] .
جزى الله الشدائد كل خير و إن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي
الشدائد تظهر المنافقين: من هم الذين يرتمون في أحضان الأعداء، من الذين يوالون أعداء الله، من الذين يتعاونون معهم ويشاركونهم، ويكونون معهم على باطلهم، من هم هؤلاء ؟
ينكشف المنافقون الذين كانوا يسترون عوراتهم بأمور واهية تنطلي على كثير من المسلمين، فالآن آن الأوان من الله لينكشف الباطل، وتسقط تلك الأوراق التي كانت تستر عورات المنافقين، فيظهرون على حقيقتهم، و تعرف الأمة من أين أتت، و من أين كانت مصيبتها.
ومن فوائد الشدائد التي حصلت في تاريخ المسلمين: أنها أبرزت طاقات، ومواهب وقدرات لم تكن ربما موجودة من قبل: لما غزا الصليبيون بلاد الشام ظهر في المسلمين من أذكياء الشباب من اخترع أبراجًا من المنجنيقات العظيمة، فيها أخلاطٌ من الزِّفت المشتعل، ومواد أخرى قد اخترعتها أيدي أولئك المسلمين، وابتكرتها عقولهم، يرمون بها الفرنجة، فكانت حريقًا عليهم ابْتُكِرت من قبل تلك العقول . وكانت بعض الوسائل تثير الدهشة و الإعجاب، ومن ذلك: أن مجاهدًا من المسلمين قور بطيخة خضراء، وادخل رأسه فيها، ثم غطس في الماء إلى أن اقترب من معسكر الصليبيين، فظنه بعضهم بطيخة عائمة في الماء، فلما نزل لأخذها خطفه الفدائي المسلم، و جره وأتى به أسيرًا، و تعددت مواكب أسرى الصليبيين في الشوارع في ذلك الوقت على نحو زاد من حماسة الناس، ورفع معنويات المقاتلين إلى السماء.
وهكذا تتكرر القضية في هذه الأيام على أرض فلسطين في أيام المحنة والقتل، ونزول الأمور العصيبة، والمذابح الكبيرة، وهدم الديار، ومحاربة الأرزاق، و تجريف الأشجار، لم يرحموا كبيرًا ولا صغيرًا ولا امرأة حاملًا ولا غير ذلك .
فظهر في المسلمين من عمل بعض أنواع من الصواريخ كصواريخ القسام وغيرها التي ابتكرتها أيدي المسلمين في فلسطين، و عملوا تلك من مواد بسيطة كما قالوا، مصنعة من مواد أولية بحيث تستطيع النساء في البيت أن تحضرها كما قال بعض المجاهدين في فلسطين ، و تجارب تقوم على أساس الدفع الذاتي، لم تكن هذه الصواريخ لتظهر على بساطتها إلا في أجواء المحنة و الشدائد .