وإن من فوائد الشدائد: أن تظهر العبادة مِن قِبَلْ المخلصين في وقت المحنة: قال صلى الله عليه وسلم: [الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ] رواه مسلم . ومعنى الهرج: الفتنة واختلاط أمور الناس، الفوضى العارمة، في الفتن يقوم أناس مع قلتهم يعبدون الله في ذلك الجو ولا ينسونه، يشتغلون بالعبادة، ويتفرغون لها بالرغم مما حولهم من الفتن هذا معنى الحديث.
وأيضًا تظهر في الشدائد: أحكام فقهية ما كانت لتبحث لولا هذه الشدائد: مسائل فقهية ما كانت لتخرج لولا هذه الشدائد، ومثال ذلك:'مسألة التترس' لو تترس عدو بمسلمين، وهاجم بلدًا مسلمًا، فإذا أراد المسلمون في البلد أن يدافعوا عن مدينتهم، ويرموا على الكفار ربما أصاب ذلك بعض المسلمين الذين أمسك بهم الكفار دروعًا بشرية، فما حكم رمي الكفار وسَيُقْتَل من المسلمين من الدروع البشرية ؟
مسألة عويصة ، قتل المسلم كبير عند الله، ولكن ترك الكفار يتقدمون مصيبة أعظم، و لذلك قال شيخ الإسلام بجرأة عظيمة عجيبة، حمله عليها علمه و فقهه العميق الواسع، وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخِيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإنّ المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قُتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا .
وهكذا صلاة الطالب والمطلوب إذا كان يهرب والعدو يلحقونه كيف يصلي والمطاردة تستمر ساعات؟ وكذلك بالعكس إذا كان يطارد عدوًا العدو يهرب والمسلم لابد أن يمسك به والمطاردة قد تستمر ساعات؟ يصلي على حسب حاله، ولو إلى غير القبلة، ولو بغير سجود على الأرض، ولو بغير قيام عليها' صلاة الطالب والمطلوب' . وهكذا تظهر مرونة الفقه الإسلامي، وشريعة هذا الدين العظيم، واجتهاد علماء المسلمين، وفوائد الشدائد .
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد والعناد، اللهم انشر رحمتك علينا،وأيد المسلمين بنصر من عندك، وانصر المجاهدين، واحم حوزة الدين؛ إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين.
من خطبة:'فوائد الشدائد' للشيخ/ محمد بن صالح المنجد