بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الخلافة الراشدة وتميزت بأنها كانت وفية لمجتمع النبوة في ركائزها وسماتها ،بالشكل الذي يمكن اعتباره أول نموذج بشري لانبوي أخلص للنموذج النبوي (3) لا من حيث تحكيم شريعة الله أو من حيث البيعة الطوعية والتي هي تحصيل حاصل مبدأ الشورى أو يقظة المجتمع وحيويته والتحامه بالدولة الخادمة أو من حيث سيادة العدل الإسلامي أو من حيث كفالة الحقوق الأساسية لكل من هو تحت لواء الدولة الإسلامية أو من حيث درجة التدين العالية السائدة في المجتمع عموما… فكانت بحق نموذجا راشدا ومخلصا للنموذج الأصلي في قيمه وثوابته ، ثم يأتي المنعطف الأول الذي ستعرفه الأمة الإسلامية والمتمثل في صعود الأمويين إلى سدة الحكم وتخليهم عن ثابت البيعة الطوعية وتحويله إلى ثابت الحكم الوراثي وكان بحق تحولا نوعيا سيحدث أول انشقاق في المنظومة المجتمعية بين المجتمع ونخبته العالمة و الدولة السلطانية كما اصطلح على وصف أحكامها عند بعض الفقهاء وليبدأ مسلسل التناقص في درجات الإخلاص للنموذج الأصلي النبوي أو النموذج القياسي الراشدي فيكون التحول الثاني هو التخلي عن مبدأ العدل وتجليات ذلك من قمع لبعض العلماء (4) والبذخ والترف (5) ، ولقد ظلت مسيرة التدين رغم ما حدث على مستوى المجتمع سائرة في مستواها المعهود من التزام بالدين عقيدة ومنهجا وسلوكا والفضل طبعا يعود إلى دور العلماء الريادي والدعوي والتربوي والتعليمي الذين حموا الرصيد الثقافي والتربوي والعقدي والعلمي واستمر عطاؤهم العلمي ولذلك لا غرابة في أن يكون عصر الاستبداد الأموي والعباسي عصر الأئمة المجتهدين بامتياز ذلك أن الشرخ الذي أحدث على مستوى العلاقة بين الدولة والأمة جعل الأمة وطليعتها الحية من العلماء المخلصين تنعزل عن الوسط السلطوي كشكل من أشكال الإنكار (6) وتنصرف بذلك إلى أولويات أخرى متمثلة في ضمان استمرارية وحماية للرصيد العلمي اعتبارا منها لمالات هذه الأولويات بالنسبة للأجيال القادمة من الأمة،ولنترك شيخ المؤرخين يصف لنا هذه التحولات التي طرأت من خلافة راشدة إلى ملك متغلب ننقلها بتصرف:"فلما استحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر على الصلاة إذ هي من أمور الدين وارتضاه الناس للخلافة وهي حمل الكافة على أحكام الشريعة ولم يجر للملك ذكر لما أنه مظنة للباطل ونحلة يومئذ لأهل الكفر وأعداء الدين فقام بذلك أبو بكر ما شاء الله متبعا سنن صاحبه وقاتل أهل الردة حتى اجتمع العرب على الإسلام ثم عهد إلى عمر فاقتفى أثره وقاتل الأمم فغلبهم وأذن للعرب ما بأيديهم من الدنيا والملك فغلبوهم عليه وانتزعوه منهم ثم صارت إلى عثمان بن عفان ثم إلى علي رضي الله عنهما والكل متبرئون من الملك منكبون عن طرقه وأكد ذلك لديهم ما كانوا عليه من غضاضة الإسلام وبداوة العرب فقد كانوا أبعد الأمم عن أحوال الدنيا وترفها لا من حيث دينهم الذي يدعوهم إلى الزهد في النعيم ولا من حيث بداوتهم ومواطنهم وما كانوا عليه من خشونة العيش وشظفه الذي ألفوه …" (7)