فهرس الكتاب

الصفحة 19939 من 27345

ثم بعد أن يعضد ذلك بأمثلة من حياة بعض الصحابة، يسترسل في موضع آخر في الحديث عن بداية الانحراف عن النموذج الراشدي قائلا:"فلما تدرجت البداوة والغضاضة إلى نهايتها وجاءت طبيعة الملك التي هي مقتضى العصبية كما قلناه وحصل التغلب والقهر كان حكم ذلك الملك عندهم حكم ذلك الرفه والاستكثار من الأموال فلم يصرفوا ذلك التغلب في باطل ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة ومذاهب الحق…"فأول انحراف كان على مستوى التخلي عن مبدأ الشورى وتحصيل حاصله إلغاء البيعة الطوعية وحصول التغلب رغم عدم خروجه في البداية عن مقاصد الديانة ومذاهب الحق على حد تعبير ابن خلدون،ولكن سيكون إعلانا عن بدايات التراجعات عن تمثل النموذج الأصلي يقول ابن خلدون في موضع آخر من مقدمته مسترسلا مسلسل"انقلاب الخلافة إلى الملك"على حد تعبيره قائلا:"فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينا ثم انقلب عصبية وسيفا وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الأمر ملكا بحتا وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس واسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم وبقي الأمر ملكا بحتا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركا والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شيء وكذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة مع العبيديين ومغراوة وبني يفرن أيضا مع خلفاء بني أمية بالأندلس العبيديين بالقيروان فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة والله مقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار" (8) .

هكذا بدت سلسلة التراجعات من خلافة راشدة تلتزم بالإسلام تنصيبا وسياسة عادلة إلى ملك ملتبس بالخلافة ملتزم بالإسلام سياسة دون تنصيب فكان بداية للانحراف نحو الملك البحت حيث"ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها"على حد تعبير ابن خلدون.

خصائص هذه المرحلة:

ويمكن تسجيل خصائص هذه المرحلة بخلاصة في التالي:

1-تحكيم لشريعة الإسلام في شتى مناحي الحياة.

2-وحدة الأمة السياسية (الخلافة ثم الدولة السلطانية ) ، والثقافية والتشريعية والتربوية (المرجعية الإسلامية العليا) .

3-استمرار دور العلماء الريادي في التوجيه والدعوة والإفتاء والاجتهاد والتعليم…

4-تفاحش الظلم والاستبداد.

5-التخلي نهائيا على ثابت الشورى وتحصيل حاصله البيعة الطوعية.

6-نسبة كبيرة من مستوى تدين المجتمع عقيدة ومنهجا وسلوكا بفضل جهود العلماء.

بحلول الدولة العثمانية وملابسات التحولات الداخلية التي عرفتها (صعود الكمالية) ،سنكون أمام منعطف أكثر ضخامة وأوسع جسامة من منعطف صعود الأمويين ومن تبعهم ،وهو الانقلاب الذي حصل على مستوى المرجعية العليا للمجتمع والدولة بحيث سيحدث أول تحول نوعي لم يسجل بالبت بهذا الحجم بالتخلي عن تحكيم الشريعة وسيترتب عنه بعد فترة الاستعمار ضرب وحدة الأمة بمخطط سايكس بيكو (9) وليتوج بزرع الكيان الصهيوني في قلب جسم الأمة الإسلامية، لنكون أمام نازلة كبرى"جديدة وفريدة"في معالمها الأساسية والتي نجملها في التالي:

1-إلغاء الدين من الحياة العامة كموجه وكمشرع وكمرجعية عليا للأمة.

2-حلول وسريان المشاريع العلمانية في شتى مناحي الحياة العامة التشريعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية...

3-حلول الدولة القطرية التجزيئية بدل الدولة الإسلامية الموحدة للأقطار.

4-سريان الاستبداد وانفراد قلة بالقرارات المصيرية للشعوب العربية والإسلامية دون إشراك هذه الأخيرة في بلورة الاختيارات الكبرى لها.

5-تراجع خطير لمستوى التدين عند المجتمع حتى انتفى معه منطق الواجب سواء في العبادات (الصلاة،الزكاة…) أو في المعاملات (الربا،الفساد الأخلاقي…) .

6-تبعية ذيلية في الاقتصاد كما في السياسة كما في القانون كما في الثقافة للغرب المهيمن.

7-احتلال فلسطين وزرع كيان صهيوني دخيل في قلب جسم الأمة الإسلامية.

8-تشكل نخبة من المفكرين والمثقفين والسياسيين من النسيج الاجتماعي للأمة المنسلخين عن هوية الأمة دراية تواصلية مع تراثها العظيم ومرجعيتها الإسلامية ،والمتشربين للفكرة الغربية المتمثلة في العلمانية كضرورة تاريخية لتحقيق النهضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت