فهرس الكتاب

الصفحة 19940 من 27345

9-ظهور دعاة وحركات من ذات النسيج الاجتماعي للأمة متشبثة بالهوية الإسلامية الأصيلة تصارع هذا المد الجارف من المشاريع التغريبية السارية المفعول في الحياة العامة داعية إلى استعادة النموذج الإسلامي الراشدي والى ربط الأوصال الحضارية التي تقطعت قسرًا بتاريخ وذاكرة وقيم الأمة الإسلامية.

ولأن هذه النازلة كبيرة وفريدة بما أفرزته من نتائج وتحولات نوعية في مسار الأمة الإسلامية،ولأن حجم ما وقع قد تم تمثله عمليا وسرى مشاريعا ومخططات مجسدة واقعا،ولأن ذلك لم يحصل بشكل اختياري طوعي من طرف شعوب الأمة الإسلامية نتيجة الاستعمار من جهة ونتيجة استفراد- قلة متغربة أو لها مصلحة خاصة في بقائها في سدة سريان القرار- بالحسم في هذه الاختيارات الكبرى والمصيرية التي أحدثت انقلابا كليا في المرجعية كما في السلوك كما في المنهج كما في التمزق والتجزيء، فلقد كان حقا أن نسم ما حدث بالنازلة الاضطرارية التي حلت بالأمة الإسلامية جمعاء ، إذ لم يعد لضرورة حفظ الدين كأعلى مرتبة من الضرورات التي جاءت الشريعة الإسلامية لتحميها وتحفظها، إلا القليل من الوجود (شعائر تعبدية ،ووجود تشريعي ضئيل في مجال مدونة الأحوال الشخصية التي لم تسلم هي الأخرى من إرادة الإلغاء…) .

وإذن إذا كان من مهمات رئيسية تاريخية لاستدراك هذا العطل التاريخي الكبير واستئناف الحياة الإسلامية القويمة فهي في نظرنا كالتالي:

1-العمل على حفظ ما تبقى من الدين بمعنى الدفاع على آخر حصون دين الإسلام.

*سياسيا وتشريعيا:من خلال الحفاظ على ما تبقى مما قد نعتبره على الرغم مما قد وقع مكسبا للأمة الإسلامية.

*مجتمعيا وشعبيا:من خلال وقف مسلسل التراجعات الحاصلة على مستوى تدين المجتمع وذلك بالحث الدعوي والتبليغي على الواجبات المعلومة من الدين بالضرورة صلاة وزكاة وصوما وتجنبا للمنكرات الأخلاقية وبالوقوف ضد كل مشاريع التفسيق المراد بها شعوب الأمة تعبئة ضدها وتنبيها من خطورتها…

2-العمل على استكمال ما تبقى من حفظ الدين بمعنى السعي نحو استئناف الحياة الإسلامية التي يعلو فيها دين الله وشريعته،وهذا يتطلب:

*سياسيا:تصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع في اتجاه أن تستعاد سلطة المجتمع والأمة لتعود الدولة للأمة معبرة عن اختياراتها ومرجعيتها.

*تشريعيا:تحكيم شريعة الله وإعلاؤها بحيث تعود هي المرجعية العليا في التشريع وفي التحكيم في شتى مناحي الحياة.

*مجتمعيا: تنمية تدين المجتمع عقيدة ومنهجا وسلوكا.

3-العمل على استعادة وحدة الأمة الإسلامية السياسية من جديد.

إنها مهمات تاريخية دونها عمل دؤوب وجهد مستمر واعمال للنظر فيما قد تعترضه مسيرة هذا العمل وهذه العملية الاستئنافية مع تقديم إجابات من هدي الشرع لأسئلة النوازل التي قد تعترض طريق الاستئناف وإنجاز هذه المهمات .وتلك هي مهمة ما أسميناه بفقه الاستئناف،فما هي خصائصه؟ و ماهي منابعه؟

المحور الثاني: فقه الاستئناف في التعريف و الخصائص. (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)

أولا في التعريف:

انطلاقا مما بسطناه في معالم أساسية لنازلة الأمة الكبرى التي حلت بها يمكن استجلاء التعريف التالي لما نعنيه بفقه الاستئناف:

فقه الاستئناف هو الفقه الذي يهتم بتقديم الإجابات العملية للنوازل المجتمعية الحركية، ونقصد بها الحالات ذات الطابع الجماعي الحركي التي تعترض العاملين في الحقل الدعوي التغييري الإسلامي، في مسيرتهم نحو استئناف الحياة الإسلامية القويمة، التي يكون فيها الإسلام وشريعته هما المرجعية العليا في تأطير الحياة العامة، تشريعيا، وثقافيا، وتدينا، وتربية، وتعليما، واقتصاديا، وسياسيا،واجتماعيا،وأسرويا وفرديا… بخلاف مثلا"فقه العبادات ،تكاد تتحكم فيه النصوص المباشرة تحكما صارما ،بحكم جمود طبيعته ومحدودية العوارض التي يمكن أن تعتري"الحالة العبادية الجزئية"وتؤثر على بعض أحكامها" (10) ،ففقه الاستئناف هو بهذا المعنى فقه للفتاوى الجماعية ذو طبيعة ميدانية، وعموما"فقه الفتاوى وهو الذي تتجلى فيه الصياغة بوضوح أكثر"كما يقول عبد المجيد النجار"لم يلق من العناية ما لقيه الفقه التقريري المجرد، فظلت الفتاوى تنحو منحى الفردية في موضوعاتها،فتعالج النوازل الشخصية ،أكثر مما تعالج الأوضاع الاجتماعية العامة…" (11) .

ثانيا في الخصائص:

انطلاقا مما بسطناه في معالم أساسية لنازلة الأمة الكبرى التي حلت بها ومن التعريف الذي بسطنا يمكن استجلاء بعض الخصائص العامة لفقه الاستئناف وهي:

الخاصية الأولى:الاضطرار والاستثناء (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت